لم تفلح كل المحاولات التي قام بها مجدي عاشور، في إقناع نجله مقبل، بالعدول عن قرار الهجرة إلى أوروبا، بعد أن فقد الشاب العشريني الأمل بالحصول على أي مصدر رزق يوفر له حياةً كريمة. يغالب الرجل الخمسيني دموعه ويكمل: «حاول ولدي مراراً الحصول على مصدر دخل في غزة يوفر له حياةً كريمة، وانحصر تفكيره في الأشهر الأخيرة في الهجرة من القطاع. جمعنا له مبلغ عشرة آلاف دولار بشق الأنفس، وكنا ننتظر أن نسمع الأخبار الطيبة عنه»، لكن الرحلة لم تسر كما كان يشتهي الولد وذووه، والذي غادر القطاع مع عددٍ من أفراد مدينته وأقاربه ثم انقطعت أخباره. «قبل عشرة أيام، سألني أحد أقربائي عن مقبل، أجبته بما أعرفه، فقد تعرض للخديعة على يد تجار البشر ثم انقطع التواصل به، لكنه صرعني بخبر وفاته منذ 12 يوماً بعد أن غرق مركبهم قبالة الشواطئ التونسية».

كانت السفارة الفلسطينية في تونس قد أعلنت، في 24 تشرين الأول الماضي، عن غرق مركب على متنه العشرات من المهاجرين غير الشرعيين، فيما كشفت مصادر عائلية عن وفاة سبعة شبان من قطاع غزة كانوا على المركب ذاته. وهنا يوضح الناشط الحقوقي عبدالله شرشرة، أنه، إلى جانب الضحايا السبعة، لا تزال قوائم المهاجرين المفقودين تضم أكثر من 100 اسم، فقدت أخبارهم منذ سنوات أثناء محاولتهم الهجرة خارج القطاع بطرق غير شرعية.
وقبل أيام، كشفت مصادر عائلية في مدينة خانيونس جنوب القطاع، عن غرق مركب آخر مقابل السواحل اليونانية على متنه 12 شاباً من القطاع، استطاع بعضهم النجاة، فيما بقيت أخبار خمسة منهم غامضة.
الطريق إلى الموت غرقاً، لم يكن محفوفاً بأمل الحصول على حياة كريمة في القارة الأوروبية فحسب، فقد كشفت عائلة الشاب حيدر الشاعر، وهو واحد من 12 شاباً فقدت أخبارهم خلال رحلة الهجرة، أن ابنها تعرض للاختطاف في ليبيا. وبحسب العائلة، فإن حيدر كان قد غادر القطاع، برفقة ثلاثة من أبناء عمومته، في مطلع شهر شباط الماضي، قبل أن يتعرّض للخديعة من قبل «تجار البشر». يقول شقيقه محمد: «وصل حيدر برفقة شباب القطاع المهاجرين إلى الأراضي الليبية في شباط الماضي، وهناك، اختطفته ميليشيات محلية ليبية، وحاولت طوال أسابيع ابتزازنا، إذ طلبت منا دفع فدية قدرها 10 آلاف دولار، مقابل الإفراج عنه، لكننا رددنا عليهم بأننا لو كنا نملك تلك المبالغ لما سمحت لهم بالهجرة عبر البحر ولا الخروج من غزة وأنهم هاجروا هرباً من الفقر والجوع».
عقب ذلك، وافقت المافيا الليبية على إطلاق سراحهم مقابل مبلغ 500 دولار لكل شخص، إضافة إلى الاستيلاء على هواتفهم النقالة، ثم عرفنا لاحقاً أنهم قضوا إثر غرق قاربهم قبالة الشواطئ التونسية، وهم في طريقهم من الشواطئ الليبية إلى إيطاليا.
محمود المدهون، شاب تجاوز الثلاثين من العمر، كان قد خاض مجازفة الهجرة إلى اليونان، أوضح لـ«الأخبار» أنه اقتنع بفكرة الهجرة حينما شاهد عدة نماذج من الشباب الغزي نجحوا في الوصول إلى إحدى الدول الأوروبية، وتمكنوا، بعد أقل من عام، أن يحصلوا على سكن وراتب شهري، غير أن الطريق إلى هدف كهذا صعب المنال: «أقنعني عدد من أصدقائي بالسفر إلى تركيا، فهي المحطة الأولى التي تنشط فيها شبكات التهريب، هناك، دفعت مبلغ ألفي دولار، وركبنا في قارب مطاطي قديم، أنا ونحو ثلاثين شاباً عبر بحر إيجة التركي، غير أن التيارات البحرية الصعبة لم تساعدنا في الوصول إلى الضفة الأخرى، أعادنا قبطان المركب، واعداً بتحديد موعد آخر». «مضت أسابيع ولم يتبقَ لدي ما أنفق به على نفسي، ولم نلتق بالمهرب بعدها».
يشير الشاب أحمد مسعود إلى طرق أخرى للهجرة. يقول لـ«الأخبار»: «الطريق التي سلكها الغريق عاشور من المفترض أن تكون أكثر أماناً، حيث يسافر الشبان من خلال منسقين في القطاع إلى مصر، ومنها إلى ليبيا، ثم يسلكون الطريق بحراً إلى إيطاليا، لكن ما تكرر حدوثه خلال الأشهر الأخيرة، هو أن المهربين أنفسهم، يخونون الشبان، بتسليمهم إلى عصابات المافيا لتحصيل المزيد من الأموال على شكل فدية». ولم تكن حادثة غرق الشبان السبعة من غزة قبل أيام الأكثر صدمة، بل إنه، وقبل عدة أعوام، غرق أكثر من خمسين شاباً قبالة سواحل مدينة الإسكندرية المصرية، أثناء محاولتهم الهجرة إلى أوروبا، حيث انقلب بهم القارب ولم يعثر على جثة أي منهم ولا يزال أهاليهم حتى اليوم ينتظرون أي خبر عن مصيرهم.