في مستوطنة «تسبوري» المقامة على أراضي صفورية المهجرة، سيجتمع على مائدة السبت يوئال زيلبرمان ووالده. الأخير سينذر نجله بالنهاية -نقطة الانطلاقة- لمنظمة «الحارس الجديد». قال زيلبرمان الأب إنه سيغلق المزرعة. لقد انتهى كل شيء بعدما تعرضت الأرض لـ«الإرهاب الزراعي»، تخريب وتسميم الماشية، إضرام النيران التي التهمت ثلثي أرضه. غير أن العسكريّ الذي أمضى سنين خدمته في وحدة «الشييت» البحرية النخبوية في جيش الاحتلال، سيحل منذ هذه اللحظة مكان السلطات الإسرائيلية التي «تجاهلت نداء والده»، مغلقة أكثر من مئتي شكوى قدمها ضد «مخربين» أتلفوا مزرعته، المقامة على أراضي الفلسطينيين المهجرين، والمشتتين في مخيمات اللجوء.

لن يمضِ على «النذير» سوى وقتٍ قصير، حتى يعتلي زيلبرمان تلة مشرفة على مزرعةِ والده، وهناك ينصب خيمة ويفترشها، معلقاً علم إسرائيل ومصباحاً. وفي داخل الخيمة سيتعمق الابن في قراءة إرث الرئيس الثاني للكيان، يتسحاق بن تسيفي، ونخبة من منظري «العمل العبري» أمثال أهرون دافيد غوردن، وتسيفي بن شوشان، وجوزيف فيتكين، وغيرهم. ليصوغ أخيراً الأيديولوجية التي ستحكم «الحارس الجديد» انطلاقاً من أن «صلة اليهود بالأرض والطبيعة ستخلصهم من التشوه الذي سببه المنفى لهم».
أمّا ولادة زيلبرمان غير البيولوجية، ستبدأ عندما تتقاطع ظروفه مع أون ريفمَن، فالأخير المتحدّر من مستوطنة «رفيفيم» تتشابه سيرته مع رفيقه؛ إذ إن الأوّل هو من الجيل الثالث لعائلة من المستوطنين الطلائعيين التي عملت في زراعة الأرض التي احتلتها وأنشأت على أنقاضها مستوطنة «تسبوري»، قبل أن تدفع بابنها إلى مدرسة «معيان باروخ» المدراشية (مدرسة توراتية) التحضيرية، في «عين فرات». في إطار خدمته بالوحدة النخبوية في الجيش شهد والد يوئال هجمات على أرضه من فلسطينيين، ما دفع بالابن حتى وهو يتعلّم ويتدرب في دورة الضباط، أن يصل خلال ساعات الليل لحراسة الأرض. أمّا ريفمَن، فشق طريقه في تحضيرية «معيان باروخ» هو الآخر، وخدم لخمس سنوات ونصف السنة كضابط في وحدة «سييرت متكال» النخبوية في جيش الاحتلال. بعد إنهائه الخدمة العسكرية، انضم إلى مدراشية «ألون»، قبل أن يؤسس مع آخرين المدرسة التحضيرية «بني تسيون» في تل أبيب.
في ملحق نشرته صحيفة «هآرتس» قبل بضعة أشهر، حول «الحارس الجديد»، يروي ريفمَن، الذي ترأس والده مجلس «رمات نيغيف» في جنوب فلسطين المحتلة منذ التسعينيات وصولاً للعام 2017، أنه «كنت عائداً إلى البيت ذات مرّة، وفجأة رأيت حظيرة تشتعل. أمّا السبب فلأن عائلة بدوية (فلسطينية) في قرية بئر هداج - قرب "كيبوتس رمات هنيغيف"- صدر بحقها قرار إخلاء. انتقم هؤلاء بحرق الحظيرة، ما أسفر عن خسائر وصلت إلى نصف مليون شيكل. تساءلت حينها هل يعقل ألا تكون الدولة حاضرة هنا؟».
على ما يبدو سار ريفمن بمسارٍ متوازٍ ومتشابه مع رفيقه، إلى أن أتى اليوم الذي أطلق فيه المزارع المستوطن شاي درومي، عام 2007 النار على فلسطينيين دخلوا إلى مزرعته في النقب، ليستشهد برصاصه الشاب خالد الأطرش. وعندئذ من سيدافع عن درومي؟ ريفمن! فهو محامٍ نجح في أن تبرّئ المحكمة الإسرائيلية القاتل من دم الأطرش، فيما على المقلب الآخر كان زليبرمان يخوض نضالاً ميدانياً واحتجاجات مع آخرين لمؤازرة درومي، انتهت بسن قانون عُرف باسم «قانون درومي» وبموجبه يُسمح لمن يتعرّض لمحاولة تخريب أو سطو على أرضه، أن يدافع عن نفسه ويصيب ويقتل «المعتدين»، من دون أن يتحمل أي مسؤولية جنائية عن جريمته. درومي نفسه سيكون له دور بارز في ما بعد بقانون «برافير» الداعي إلى تهجير واقتلاع أكثر من 40 قرية فلسطينية في النقب. ولكن لنعد إلى موضوعنا. ما علاقة كل هذا بـ«الحارس الجديد»؟
قضية درومي هي النقطة التي تقاطع فيها مسارا ريفمَن وزليبرمان، عندما ربطهما مؤسس تحضيرية «معيان باروخ»، حيث درسا، إيرز إيشل. ثلاثتهم سينشئون المنظمة عام 2007، والتي سيصبح عندها في غضون سنوات قليلة عشرات آلاف المتطوعين. أدرك الثلاثي كما يأتي في الصفحة التعريفية على موقع المنظمة الإلكتروني أنه في «مركز عمليات حراسة الأرض والمحافظة عليها، يكمن الفكر الصهيوني، وأنه بهذا الفعل يترجم حب البلاد». حراسة الأرض، مساعدة المزارعين الإسرائيليين هي مسار متداخل، يُدعى أن الدولة العبرية تخلت عن دورها فيه، مع ذلك، فإن 40 جهة رسمية إسرائيلية وغربية، بينها وزارات إسرائيلية كالأمن، والمعارف (التربية والتعليم)، والزراعة وتطوير القرية، والبناء والإسكان، والإعلام والشتات، والتراث... مروراً بـ«الصندوق القومي اليهودي»، وشركة «إلبيت» للصناعات الدفاعية، وسلطة الطبيعة والحدائق، وصولاً إلى «جويش فاونديشن» و«جويش فيديراشن» وغيرها الكثير الكثير.

في كانون الثاني من عام 2021 حذّرت وزير الأمن الداخلي من أن اشتعال الميدان (في مناطق الـ48) لن يكون بعيداً


المنظمة في جوهرها يمينية صهيونية، غير أنها نجحت في أن تحظى بدعم القوس السياسي الإسرائيلي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار . والسبب أن هؤلاء يرون بـ«الحارس الجديد»
«قاعدة لاستقرار إسرائيل وحصانتها المادية والقيمية من خلال تشغيل المنظمة عشرات آلاف المتطوعين لمساعدة المزارعين في الحفاظ على مهنتهم وعملهم الفلاحي الزراعي، إلى جانب الدمج مع المشروع التربوي التثقيفي»، والأخير يستهدف المدارس اليهودية على أنواعها.
أوّل اجتماع للمنظمة اليمينية المتشددة عُقد في الجليل عام 2008، كرد على «يوم الأرض» الفلسطيني، وحضره في ذلك الحين مئير هارتسون الشهير بكونه الأسطورة « شمعون بار كوخبا» الحديث، الذي قتل أربعة فلسطينيين من عشيرة الرشادية في النقب في خمسينيات القرن الماضي، وجعل خامسهم يشهد المجزرة ليخبر ذويه بما حدث، انتقاماً لمقتل أخته شوشانا ورفيقها. في ذلك الاجتماع قال زيلبرمان أمام الحضور «العرب فقط ينتظرون أن نقول لهم أن هذه الأراضي لنا، فهم لم يفهموا بعد هذا الأمر». ومنذ ذلك الحين خرج المشروع إلى الضوء، بدعم سخي قدمه عرّاب الاستيطان في القدس، آرفينغ موسكوفيتش، بالتوازي مع فتح الصندوق المركزي لإسرائيل حنفية الأموال التي كانت تتدفق أيضاً إلى صناديق المنظمات الصهيونية المتشددة مثل «حونينو»، «الييشوف اليهودي في الخليل» و«إم ترتسو»، وبالإضافة إلى ذلك تلقت «الحارس الجديد» تبرعات ودعم من منظمات عديدة صهيونية-دينية تعتنق أيديولوجية الحاخام مئير كهانا، وتسعى إلى بناء «الهيكل الثالث».
خلال هذه السنوات، كان الحراس يحضرون بأسلحتهم إلى مزارع المستوطنين لحراستها، وينظمون مسيرات احتجاجية بوجه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 انتهى بعضها بمواجهات عنيفة. رئيس الوزراء السابق، نفتالي بينت، نفسه كان أحد أعضاء لجنة في المنظمة التي ضمت وجوهاً يمينية متشددة، ولمن صار وزيراً للاقتصاد ظهر في قميص يحمل شارتها، كما أشرف بنفسه كوزير للتربية على أنشطة المنظمة. علاوة على هذا كله، عام 2012، شارك الصهيوني أرييه كينغ، (اليوم نائب رئيس بلدية الاحتلال بالقدس)، في «عيد الشجرة» بغرس الأشجار في الجليل إلى جانب ناشطي المنظمة، وصرّح حينها في مقابلة أجرتها قناة المستوطنين (القناة السابعة) أن «الحارس الجديد» هي بمثابة «قوات معززة. مهيأة للعمل أثناء اندلاع مواجهات مع السكان العرب (فلسطينيو الداخل) في الجليل».
التفتت المنظمة إلى ذلك، ولكي لا يظهر وجهها اليميني طالما حاول أعضاؤها نفي انضوائهم في المعسكر المتشدد، مدعين أنهم منظمة غير سياسية. ومن قال أن الإنكار لم يفلح؟ يائير لابيد بعينه، «الوسطي» وزعيم معسكر «التغييريين»، كان يتسابق ليظهر بين الحراس ويلتقط صوراً معهم. أمّا المدير التنفيذي ورئيس شركة «إلبيت» السابق، يوسي اكرمان، فهو رئيس المنظمة في هذه الأيام، وشيلو حولاف المؤسس لشركة «NSO» صاحبة فضيحة برنامج التجسس الهجومي «بيغاسوس» هو أحد أكبر ممولي المنظمة وعضو في مجلسها.
عملياً، تحولت المنظمة إلى حالة تمثل الإجماع الإسرائيلي الذي قلّما يجتمع على شيء سوى قتل واقتلاع الفلسطينيين والعرب. وبينما تنكر «الحارس الجديد» حضورها في الضفة، كثرت الشهادات والإفادات حول حضور أعضائها في البؤر الاستيطانية لحمايتها من الفلسطينيين. وإلى جانب كل هذا، من يذكر هبة النقب مطلع العام؟ حسناً، في نهاية كانون الأول الماضي، وبداية كانون الثاني، حضر «الصندوق القومي اليهودي» إلى أراضي منطقة النقع، لتنفيذ مخطط تحريش يقضي بمصادر أراضي خمس قرى فلسطينية بدويّة، في مقدمتها سعوة -الأطرش. من الذي زرع الأشجار؟ أعضاء «الحارس الجديد» هم من فعلوا ذلك، قبل أن تندلع احتجاجات عنيفة قادها الفلسطينيون في البادية جنوباً أفضت إلى تجميد المخطط.
ليس هذا كل شيء! فـ«الحملان الوديعة» التي تساعد المزارعين الإسرائيليين، وتتغلغل في صفوف طلبة المدارس من فتحة «الزراعة»، هي نفسها من لبّى نداء الشرطة الإسرائيلية التي عجزت عن الدفاع عن مستوطني اللد إبان هبة أيار من العام الماضي؛ إذ شارك أعضاء المنظمة في الدفاع عن أمن يهود المدينة، وحرسوا الشقق التي هرب منها الأخيرون، كما أنشؤوا غرفة ميدانية لإدارة أعمال «المتطوعين» بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، واشتغلوا في المراقبة ورصد تحركات الشبان الفلسطينيين الذين هبوا نصرة لحي الشيخ جراح ورفضاً للاعتداءات على القدس والمسجد الأقصى، وللدفاع عن وجودهم، إثر استشهاد موسى حسونة برصاص مستوطنين.

العمود الفقري لـ«الحرس القومي»
التداخل بين «الحارس الجديد» ووحدة «حرس الحدود» العسكرية الإسرائيلية ليس جديداً؛ فقد أقيمت وحدة «الحارس» عام 2014 خلال ولاية جلعاد إردان في وزارة الأمن الداخلي، وعناصرها هم من المنظمة. وكما توضّح الأخيرة في موقعها الإلكتروني، فإن مناطق عملها في الشمال والجليل الأدنى، وهضبة الجولان. وفي النقب جنوباً، ومنطقة «لاخيش» و«راموت هنيغف»، والمجلسين الإقليميين «أشكول ويوآف». أمّا مهامها، فتتلخص في تسيير دوريات سرية وعلنية، نصب الكمائن، المراقبة والاستطلاع باستخدام وسائل الرؤية الليلية، نصب حواجز وفحص المركبات، والأشخاص المشتبه بهم. والقبض على المتسللين غير الشرعيين (وبضمنهم فلسطينيي الضفة وغزة ممن لم يحصلوا على تصريح دخول من الاحتلال). ومساعدة مراقبي سلطات الآثار ومنع المتاجرة بها، مساعدة سلطة الطبيعة والحدائق في مواجهة الصيد غير القانوني.
حضور «الحراس» وانتشارهم في مناطق الـ48، سواء ضمن «حرس الحدود» أو بين المزارعين كافٍ لتبديد المفاجأة عندما نعرف أن المنظمة تكاد تكون الجهة الإسرائيلية الوحيدة التي تنبأت باندلاع هبة أيار. ففي دعوتها الإسرائيليين للانضمام إلى مشروع «الحرس القومي» الذي أعلن بينت انطلاقته قبل أشهر، وقبيل استقالته من منصبه بأيام، وأنه ستكون (المنظمة) الخزّان الذي سيمد المشروع بالعناصر البشرية، تشير «الحارس الجديد» إلى أنها في كانون الثاني من عام 2021 «حذّرت وزير الأمن الداخلي، من أن اشتعال الميدان (في مناطق الـ48) لن يكون بعيداً، وإنما في المدى المنظور». أربعة أشهر على التحذير الذي بحسبها استبعده وزير الأمن، اندلعت هبّة أيار. وكانت هي نفسها قد اقترحت أمام الوزير في حينه أمير أوحنا، إنشاء مشروع مثل «الحرس القومي».
ومنذ انطلاق المشروع قبل أشهر، استنفرت المنظمة لتجنيد المتطوعين له، واضعة خطة تمتد على سنتين بموجبها ستقيم خمسة وحدات احتياطية ضمن الجيش، تضم كل واحدة 1000 مقاتل سابق. سيلتزم هؤلاء بإنجاز تدريب مدته 18 يوماً، والحضور في خلال حالات الطوارئ القومية. وسيتجنّد هؤلاء عن طريق «الحارس الجديد» قبل أن تستوعبهم وحدة «حرس الحدود» التي سيعمل «الحرس القومي» من خلالها. وحتى عام 2030 وضعت المنظمة خطة بموجبها تعزز المتطوعين ليصل عديدهم إلى 12 ألف مقاتل.
إذاً، «الحارس الجديد» التي تتابع «العمل العبري» بجد، سرعان ما تحوّلت إلى عصابات عميقة الجذور في المجتمع الصهيوني الفاقد للأمن الشخصي، وعناصرها ومتطوعوها سيكونون عماد المواجهة المستقبلية مع فلسطيني الـ48. كل ذلك سيحصل حين تحين «لحظة الحقيقة» وتندلع مواجهات على غرار الهبّة. وإلى ذلك الحين، سيتقرر من هو سيّد البلاد الحقيقي، ومن هو المستعد أن يبذل روحه فداء لها ولـ«الأرض السمرا».

وثيقة اقامة «الحرس القومي» ضمن وحدة حرس الحدود على موقع منطمة «الحارس الجديد»