سراً، غادر القائد متجهاً إلى دمشق. هدفه تأمين السلاح والمال، ولذلك التقى المفتي محمد أمين الحسيني. وفي طريق العودة استراح قليلاً في قرية صانور (قضاء جنين). قرر مع رفاقه المبيت في مغارة داخل القرية النائية غير المكشوفة للعدو. لكن قوات الاحتلال البريطاني علمت بمكانه. أرسلت له الدبابات وقوة كبيرة من المشاة، فحاصرت صانور من كل الاتجاهات وبدأت عملية تفتيش قاسية واعتقالات واسعة وإطلاق نار عشوائي. خاف القائد على شعبه، وقال كلمته الشهيرة: «أأكون قائداً وجباناً؟!». اشتبك الفدائيون مع المحتل. نفدت ذخيرتهم. فاستشهدوا. مات القائد عبد الرحيم الحاج محمد، فدُفنت «الثورة الفلسطينية الكبرى» في شتاء 1939، بعد ثلاثة أعوام من القتال وحرب العصابات وشن الغارات ضد العصابات الصهيونية والاحتلال البريطاني.


قبل ذلك بعشرة أعوام، أسس الفدائي أحمد طافش، فصيلاً من 30 فلسطينياً في صفد أسماه «الكف الأخضر». وذلك لمواجهة العصابات الصهيونية الناشئة التي تحاول السيطرة على الأراضي الزراعية بمساعدة الاحتلال البريطاني. وشهدت صفد في تلك الفترة صدامات دموية بين الفلسطينيين واليهود، وكالعادة تشن القوات البريطانية حملات اعتقال وقتل لحماية اليهود ودعمهم. استطاع أعضاء «الكف الأخضر» المطاردين الاختفاء في منطقة جبلية تسمى وادي الطواحين. ومن تلك النقطة بدأت هجمات التنظيم ضد المستوطنات الصهيونية في الجليل. فحاول الاحتلال الانتقام، واعتقل الإنكليز عدداً من مقاتلي «الكف الأخضر»، وتمكن طافش وبعض رفاقه من الهروب إلى الأردن، وهناك اعتقلته السلطات وسلمته للإنكليز فحكموا عليه بالإعدام. لكن الحاضنة الشعبية هبت في تظاهرات وإضرابات شاملة بقيادة الصحافي أكرم زعيتر، فخفضوا الحكم إلى المؤبد بدل الإعدام.
في تلك الفترة الهامة من تاريخ الشعب الفلسطيني، ظهر الشيخ عز الدين القسام، وكان التنسيق واضحاً مع «الكف الأخضر». ومع أن التنظيم تشظى بين اعتقال واغتيال، إلا أن القسام استعان ببعض أفراده لتشكيل خلايا نائمة وناشطة في مدن وبلدات متعددة. وفي حارات التنك شرق حيفا، انطلق فصيل غامض، غالبية كادره من العمال الكادحين المنتمين إلى «جمعية الشبان المسلمين» الناشئة على يد القسام. تعددت التسميات له مثل «جمعية مجاهدي سوريا»، «جمعية التسليح». لكنه عُرف بعد ذلك بـ «الكف الأسود».
نفذ فدائيو «الكف الأسود» أول عملية في ربيع 1931، وكانت مؤثرة جداً حيث كمنوا لمركبة تقل مسلحين يهوداً في طريق ياجور (قضاء حيفا). فقتلوا ثلاثة وجرحوا أربعة. ولم يُصب أي من الفدائيين المُهاجمين. وكانت استراتيجية التنظيم تنفيذ عمليات ضد الأهداف الصهيونية والبريطانية متباعدة زمانياً ومكانياً، فكانت العملية الثانية في الصيف، والثالثة مع بداية الشتاء من العام نفسه. والأهم أن سلسلة العمليات كانت نوعية من دون ترك أي دليل أو أثر. لكن في شهر كانون الثاني 1932، وأثناء إطلاق المقاتلين النار على مستوطنة نهلال (أول مستوطنة صهيونية عمالية في فلسطين) قرب مرج بن عامر، تركوا بصمات أقدامهم في الطريق بسبب الأوحال. وبالتالي وصل الاحتلال إلى قرية صفورية (قضاء الناصرة) حيث اعتقل المجموعة وكانت بقيادة خليل العيسى المُلقب بأبي إبراهيم الكبير وهو أحد مساعدي القسام.
كُشف عدد من خلايا التنظيم، وشن الاحتلال البريطاني حملات تصفية واعتقال للأعضاء، لكن التحقيقات فشلت في التوصل إلى القائد العام للتنظيم، أي القسام. وعلى أثر ذلك قرر الشيخ تجميد العمل العسكري للتنظيم لعامين ونصف حتى يستطيع إعادة البناء والتسليح ولحماية بقية الأعضاء غير المكتشفين. وفي فترة وجيزة شكل «الكف الأسود» حالة ثورية كبيرة، وحاز على شعبية واسعة وسط الفلسطينيين لا سيما العمال والفلاحين. وكانت بيانات التنظيم تحمل أهدافه وتوجهاته، وخطة عمله الصريحة حيث توجهت إلى الناس العاديين بالفتاوى الدينية والتحريض والتعبئة لمقاومة المحتل وأعوانه، ولمنع بيع أي من الأراضي، والانتباه من عمليات الاحتيال القانونية والإغراءات المالية ومقاطعة البضائع الإنكليزية والتجار اليهود. وكذلك حملت البيانات تهديدات مباشرة للمحتل البريطاني وجميع السماسرة، وكل من يشارك في صفقات الأراضي. وانضم إلى «الكف الأسود» أكثر من 200 مقاتل، وقادهم سرور برهم وأحمد عبد المعطي نوفل، لكن الفصيل لم يستمر طويلاً بسبب اغتيال الاحتلال البريطاني للشيخ القسام عام 1935. لكن تلامذته استمروا في القتال وأسسوا مجلساً عسكرياً للثورة بقيادة الحاج محمد، حين بدأت عام 1936. وكانت الأرضية مهيأة، واتبع الثوار أسلوب ربط المركز الفاعل (حيفا) مع نقاط ارتكاز في الريف، حيث رأى القسّام أنه المكان المناسب لانطلاق الثورة المسلحة منه. وعلى هذا الأساس توزعت الخلايا الثورية، وتقليداً للشيخ أرخى المقاتلون «القساميون» لحاهم، حتى عُرفوا باسم «المشايخ» قبل الثورة، وبعد استشهاد الشيخ لُقبوا بـ «إخوان القسام». وكان أشهرهم الشيخ فرحان السعدي، محمد صالح الحمد، يوسف أبو درة، صبحي ياسين، توفيق الإبراهيم، وحسن سلامة. واعتمد المقاتلون (وصل عددهم إلى 14 ألف مقاتل)، على حرب العصابات كركيزة أساسية، وهي الهجمات المحدودة والكمائن المضمونة وتفادي الالتحام بالجيش البريطاني لعدم تكافؤ العتاد. وتقسمت فلسطين إلى 11 منطقة عسكرية يقود كل بقعة شخص لديه الصلاحيات بتقدير الموقف وإعطاء القرارات المناسبة بالعودة إلى المجلس العسكري العام أو من دونها.
إذا بعد «الكف الأسود» كانت الثورة الكبرى، وبعدها هزيمة 1948 واحتلال البلاد، فهل بعد «عرين الأسود» ستشتعل انتفاضة أو يضم الاحتلال الضفة كلياً؟


خاض الفلسطينيون الثورة الكبرى بقوة في خلال ثلاثة أعوام، فاستشهد أكثر من 5 آلاف، وجُرح ما يقرب من 15 ألفاً. واغتالت القوات البريطانية قيادات الثورة أو اعتقلت بعضهم ونفت جزءاً منهم. واستطاع الخرق الأكبر أن يدخل إلى المجلس العسكري فاختلف القادة في ما بينهم في محطات كثيرة، فكانت مقتل الثورة. ووفقاً لـ «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» فإنه مهما كانت التنازلات البريطانية المقدمة عبر «الكتاب الأبيض» لمصلحة مطالب الثوار، ومهما كانت مكاسب الفلسطينيين جراء الثورة، سرعان ما تجاوزت العمليات الجيوسياسية الكبرى للحرب العالمية الثانية جميع هذه المكاسب، في حين ترك الهجوم البريطاني - الصهيوني على الحياة السياسية والاجتماعية الفلسطينية خلال الثورة، إرثا ثقيلاً وطويل الأمد. ويعتقد مؤرخون فلسطينيون أمثال البروفيسور مصطفى كبها والدكتور عادل مناع أن فشل الثورة الفلسطينية الكبرى في تحقيق أهدافها مهد الطريق للنكبة حيث وصل الشعب الفلسطيني عام 1948 نازفاً خائر القوى بسبب خسائره الباهظة في الثورة الكبرى.
ومما لا شك فيه أن العقدين الثالث والرابع في القرن الماضي تركا أثراً على سيرة الشعب الفلسطيني وصيرورة ثوراته وهباته وانتفاضاته. فالثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965 استنسخت التجربة أو بعضها، وكذلك الفصائل اللاحقة مهما كان توجهها الفكري والسياسي. وفي خلال العقود الماضية ظهرت على الساحة الفلسطينية مجموعات قتالية تشبه «الكف الأسود»، مثل «الفهد الأسود»، «أيلول الأسود»، «النجم الأحمر»، «النسر الأحمر»، «صقور فتح»، «فهود الكتائب».. الخ. وفي غالبية الأحيان كانت شتات فصائل سياسية انتهت أو انبثقت من أجنحة عسكرية أو هي مبادرة فردية من شخص التف حوله جمع من المقاتلين.
وفي مقارنة بسيطة، يتضح أن مجموعة «عرين الأسود» الناشئة في نابلس بداية العام الحالي، تشبه كثيراً تجربة «الكف الأسود» بغض النظر عن اختلاف الحقبات والواقع الجغرافي والسياسي. ثلة من الشباب المتحمس صنع مساراً جديداً في بيئة حاضنة إلى حد كبير. وللأسف استطاع الاحتلال الوصول إلى قيادة التنظيم بسرعة قياسية لأسباب تكنولوجية وأمنية. لكن المتفائل يمكن أن يركن إلى التحديث والتجديد في البنية الهيكلية لـ «عرين الأسود». أما المتشائم ينظر إلى التاريخ، ويسأل: إذا بعد «الكف الأسود» كانت الثورة الكبرى، وبعدها هزيمة 1948 واحتلال البلاد، فهل بعد «عرين الأسود» ستشتعل انتفاضة أو يضم الاحتلال الضفة كلياً؟ لا إجابة حقيقية. لكن الواقع يشير إلى أن «عرين الأسود» تلقى ضربة قوية، ويمكن لمجموعات غير ملتحقة به أن تستعير الاسم والشعارات وتكون البديل أو تنضم إلى من تبقى من الشباب في البلدة القديمة لنابلس. وفي سيناريو آخر يمكن للمتغيرات الدولية والإقليمية وكذلك الفلسطينية والإسرائيلية أن تؤدي إلى مسار متغير وبالتالي مصير مختلف ويكون الانفجار الضخم في فلسطين. وحينها سيذكر التاريخ أن إبراهيم النابلسي، وديع الحوح، محمد العزيزي، عبد الرحمن صبح، تامر كيلاني، وغيرهم مهدوا الطريق لتحول كبير. ولأن الإنسان وفقاً لجبلة بدنه له بصمة خاصة: بصمة عين، بصمة إصبع، بصمة صوت.. ولا يمكن أن يتطابق شقي التوأم بذلك. أما بالبصمة الفلسطينية الجماعية يمكن أن تتطابق، تتكامل، تتوافق، تتقارب، لكنها لا تتباعد كثيراً.