«في غرفة 22 شهيد». وليد في الغرفة، هو الذي وقف أمام مدير السجن تشاشا، وتحدّاه أن يدخل عنوة أي أسير فائض عن عدد الأسرّة إلى المعتقل. الشائعة انتشرت بين الأسرى كما لو أنها حقيقة. قوة كبيرة من حرس الحدود انتشرت خلال دقائق معدودة على السطوح وفي باحات السجن وأقسامه، وحاولت إدخال أسير جديد إلى غرفة 22 في قسم 8، من أمام باب الغرفة وقف تشاشا أمام وليد مهدداً متوعداً، قبل أن يأمر جنوده بإطلاق الغاز المسيل للدموع والقنابل المخصصة لسحب الأوكسجين. غاب نزلاء الزنزانة عن الوعي، فاشتعلت مواجهة امتدت إلى أقسام السجن كافة، ربطت نهار عسقلان بليله. أوقف «المعركة» شكوى المستوطنين في مدينة عسقلان، من أن الرياح تحمل إلى منازلهم رائحة الغاز، لينتهي المشهد بفشل تشاشا، ونجاح وليد ومن خلفه الأسرى. «لكل أسير الحق في سرير» عاد وكرر وليد جملته بعدما استفاق من الغيبوبة.

«حط تشاشا وليد والأسرى في رأسه». اتخذ سلسلة من الإجراءات القمعية وسحب الإنجازات من الأسرى. «زيت الزيتون يجعلكم أقوياء» قالها تشاشا لوليد، ضحك يومها من اشتهر بأكثر قادة الأسرى معرفة بعقلية السجان. الإجراءات شملت منع الأسرى من إدخال كميات الزيت القليلة المتاحة من الأهالي، وتقليص مدة زيارتهم لأبنائهم، عدم السماح بالزيارات ما بين الغرف والأقسام، وتقليص وقت الخروج إلى باحة الشمس، التفتيش العاري والمذلّ للأسرى أثناء تنقلهم بين السجون. بالطبع، لم تكن السياسة وليدة حدث تلك الليلة الشتوية الباردة أوائل عام 1992. سيتعيّن على وليد، الذي يتقن اللغة العبرية جيداً، أن يدير المواجهة التي توّجت بإضراب مفتوح عن الطعام استمر لأكثر من أسبوعين، اشترك فيه قرابة 16 ألف أسير كانوا موزعين على السجون والمعتقلات كافة في حينه. يومها جاء وليد بوجهه الضاحك إلى زنزانتنا وأبلغنا قرار تشكيل الهيئة الوطنية العليا لإدارة الإضراب وحل الفصائل لأطرها التنظيمية.
لا وقت الآن للقراءة الذاتية، التي كان يحرص وليد على الالتزام بها، وهو الذي لا يختار لنفسه إلا سريراً قرب نافذة كبيرة مطلّة على ممر الغرف، يتمكن خلال الليل من متابعة تحصيله الأكاديمي عبر المراسلة، في الجامعة العبرية المفتوحة، كان الضوء المتسرّب من الممر هو وسيلته لقراءة درسه، فالسجّان كان يطفئ الأضواء في الغرف، في ساعة معينة وطوال الليل. ولا وقت أيضاً لاختتام النهار بجلسة تثقيفية درجت العادة على أن يديرها وليد، ويحرص في الوقت ذاته على إبلاغ أحد الرفاق، بتكليفه التحضير لإدارة النقاش في اليوم التالي، ومن ثم رفيق آخر، وهكذا إلى أن يتمكن الجميع من المشاركة، تحضيراً وقيادة في الجلسات التثقيفية. لن يخصص وقتاً لتفقد حالة زميله في الأسر وابن قريته ومجموعته صالح أبو مخ الذي أصيب باكراً بداء السكري، رافق وليد مسيرة أبو مخ المرضية من حبة الدواء إلى إبرة الأنسولين وما بينهما من انتكاسات، فالآن كل الأسرى طريحو الفراش، وقد بدأت أوجاع الجوع تنخر أجسادهم، وقد مضى اليوم الخامس عشر على الإضراب. يأتي إليّ في ذلك اليوم بعدما تناقص وزني إلى 47 كيلوغراماً، انخفضت درجة حرارتي في مؤشر إلى خطورة وضعي الصحي، ويطلب من إدارة السجن نقلي إلى عيادة السجن على وجه السرعة، قائلاً «لن تكون أيها الشبل (كوني كنت أصغر أسير لبناني في السجون في تلك الفترة) في عداد الشهداء.
يذهب إلى الأسير أنور ياسين، ويحدثه عن اليوم الذي التقاه فيه، وكان ذلك في سجن الرملة بداية عام 1988 حيث كان أنور خارجاً لتوّه من جولات التحقيق، وليد عرف بأنور من خلال أصداء عملية جبل الشيخ التي كبدت الاحتلال ثلاثة قتلى، بينهم ضابط، فأراد ما إن عرف بوجود ياسين في سجن الرملة التعرف إليه عن قرب، وحين التقاه يلبس «شورت قصير وبروتيل» قال وليد لأنور «هدول التياب مش للسجن»، وفي الوقت نفسه، أيقن أن الشكل لا يعبر عن المضمون، في إشارة منه إلى العملية البطولية. لكننا الآن أمام مجتمع آخر. هذا المجتمع كان يعرف وليد مدى التعددية بداخله، فاستطاع التكيف مع مناطق فلسطين المختلفة، جمع بين ابن المخيم وابن القرية وابن المدينة وابن الشتات، استطاع بأسلوبه الاجتماعي المتمايز أن يوحد في علاقاته مناطق غزة والضفة والقدس و 48، فتمكن من إخراج «نظام الحياة المتشدد المعمول به من قبل الأسرى» من جموده إلى حيّز أكثر ليونة، مع الحفاظ على تماسك الأسرى. تماسك أكمله وليد بتوسيع دائرة التفاهمات بين الأسرى، ومدّ جسور قوية في ما بينهم، فكان يحدّث صدقي المقت ابن مجدل شمس المحتلة عن جولانه، كما يحدث صلاح شحادة عن حي الشجاعية في غزة.
لم يلاحظ أحد من الأسرى، حتى الأسير كايد بندر (اتخذته أم وليد - فريدة كما يناديها وليد – ابنها اللبناني بالتبني، فكانت تضع اسم كايد قبل اسم وليد أثناء مناداة الأسرى للخروج إلى زيارة الأهل. وكانت تسأل كايد عن حاجتهم ولا تسأل وليد، لدرجة قال لها مرة وليد ممازحاً «يمّه أنا ابنك كمان بلكي بدي شي كايد ما بيعرفو») تحوّل وليد إلى عاشق في السجن، بعدما وقع في حب رفيقة دربه المناضلة سناء سلامة. حاولنا استدراجه إلى نقاش عن معنى الحب في الأسر، كيف يمكن لهذه الحياة المجبولة بعقارب الوقت، حرمان وتضييق ومحاصرة للأنفاس حتى، أن تفتح هكذا نافذة في جدار مرصوص رطب، تعلوه السياج والأسلاك الشائكة والأهم أن وليد كان محكوماً بالمؤبد، ولم يكن وقتها قد تحدد حكمه بـ 37 عاماً. كان رد وليد «إن في ذلك معركة أيضاً، لا تقلّ أهمية عن معركة الثقافة والأخلاق والالتزام والكرامة». «وأن تكون إنسانياً يعني أن تكون ذلك، قبل أن تكون أي شيء آخر»، هذا ما كان يقوله وما زال يردده.
وليد دقة الذي أعلن عن إصابته بسرطان الدم، وهو رهن الاعتقال منذ 37 عاماً، ليس بشخصية عادية، هو من جيل القادة الذين نقلوا تجربة الرعيل الأول من الأسرى إلى الجيل الثاني، مع امتياز خاص يسجّل له. تجربة الحركة الوطنية الأسيرة في فلسطين تنقسم إلى مرحلتين أساسيتين، ما قبل عام 1985 وما بعده. في الأولى كان التأسيس الصلب، وفي الثانية كان الاستمرار الذي أخذ مظاهر مختلفة، مع تنوع وتعدّد حالات الأسرى. وليد في هذا المكان هو كل التجربة، كل تجربة الحركة الأسيرة، اختصرها بشخصيته الإنسانية، بسنوات اعتقاله، بإرادته الصلبة التي عنوانها فلسطين، بحبه للحياة وللعلم والثقافة. مثل هذا النوع من الرجال لا يهزمون.