القاهرة ــ الأخبار

٣٧ ألف دولار فقط حوّلت شاباً يبحث عن وظيفة الى جاسوس، هذه هي الرواية الرسمية في مصر عن شبكة جواسيس أعلن النائب العام تفاصيلها أمس.
الجاسوس معتقل الآن، عمره ٣٧ سنة، واسمه طارق عبد العزيز وله شريكان إسرائيليان هما ديدي موشيه وجوزيف ديمور. الشريكان هاربان، حسب توصيف اتهام نيابة أمن الدولة العليا، لكنهما في الحقيقة ضابطان في «الموساد» كانا وراء تجنيد الجاسوس المصري.
المهمة، حسب رواية أعلنها المستشار عبد المجيد محمود أمس: «هي إمداد الموساد بتقارير عن مصريين يعملون بمجال الاتصالات لانتقاء من يصلح منهم للتعامل مع الاستخبارات الإسرائيلية»، إضافة الى مهمّة أخرى هي: «الاتصال بسوريين ولبنايين يعملون في مجال الاتصالات لانتقاء من يصلح منهم للعمل مع الموساد، ونقل معلومات من أحد الجواسيس الإسرائيليين في سوريا لمصلحة إسرائيل»، وهو ما وصفته نيابة أمن الدولة بأنه «عمل عدائي ضد دولة أخرى بالمنطقة، من شأنه تعريض الدولة المصرية لخطر قطع العلاقات الدبلوماسية والسياسية معها».
الغريب أن القصة، التي تبدو مؤامرة إقليمية، بدأت بخطوة ساذجة من باحث عن عمل، أرسل رسالة إلكترونية الى «الموساد» يطلب وظيفة. طارق عبد الرازق عيسى حسن، اسمه الكامل، حصل على دبلوم (شهادة متوسطة) صنايع عام 1991، سافر بعدها إلى الصين لمدة سنتين، تأهل فيهما ليكون مدرباً لرياضة الكونغ فو.
لكن عمله مدرباً في الأندية الرياضية لم يحلّ مشاكله المالية، فقرر العودة مرة أخرى الى الصين سنة ٢٠٠٧، ومن هناك أرسل طلب الوظيفة الى «الموساد». في شهر آب عام 2007 تلقى اتصالاً هاتفياً من «جوزيف ديمور» (المتهم الثالث)، الذي تحدث إليه بصفته مسؤولاً بجهاز الاستخبارات الإسرائيلية، وطلب منه مقابلته في تايلاند.
طارق لم يستطع الحصول على تأشيرة دخول إلى تايلاند، فتلقى أمراً بالتوجه الى نيبال، ومنها الى الهند. وهناك في السفارة الإسرائيلية بدأت أول إجراءات التجنيد، الذي اكتمل في تايلاند، بعد إجراءات كشف الكذب والفحص بعدما ذاق الشاب المصري طعم المال الإسرائيلي.
التدريبات نفّذها المتهم الثاني «ديفيد مور»، الذي طلب منه إنشاء شركة استيراد وتصدير في القاهرة تكون ستاراً للنشاط الاستخباري، وحدد له راتباً شهرياً قدره ٨٠٠ دولار.
وفي أيار ٢٠٠٨ انتقل نشاط طارق الى مجال إقليمي، حيث حصل على رقم سرّي لموقع إلكتروني يستخدمه «الموساد» غطاء ويحتوي على وظائف شاغرة في جميع التخصصات والتسويق للشركات التي تعمل في مجال تجارة زيت الزيتون والحلويات في سوريا، وكلّفه اختبار المتقدمين لشغل تلك الوظائف، على أن تناط به مسؤوليّة الإشراف وإعداد تقارير عن الظروف الاجتماعية للمتقدمين ومؤهلاتهم العلمية لانتقاء من يصلح منهم للتعاون مع الاستخبارات الإسرائيلية.
طارق سافر بعدها الى سوريا باسم حركي هو «طاهر حسن»، وأعدّ تقارير عن الوجود الأمني في الشارع السوري، ومعلومات أخرى. وفي تايلاند، مرة أخرى، التقى بضابط في جهاز الموساد يدعى أبو فادي، كلفه السفر إلى سوريا ومقابلة أحد عملاء جهاز «الموساد» هناك، لتسليمه مكافآت مالية وهدايا، عاد بعدها الى تايلاند ليسلم تقريراً عن الزيارة.
في شباط 2009 توجه طارق إلى دولة لاوس بدعوة من المتهم الثاني، الذي سلّمه جهاز حاسب آلي محمول يعتمد على برنامج مشفّر حديث يتولّى حفظ المعلومات من دون إمكانية الكشف عنها على يد الأجهزة الأمنية، كما سلمه وحدة تخزين خارجية «فلاش ميموري» مشفّرة وتولّى تدريبه على كيفية استخدامها، وسلّمه حقيبة جهاز حاسب آلي محمول تحتوي جيوباً سرية لحفظ المعلومات ودرّبه على طريقة التراسل في ما بينهما.
الرحلة التالية كانت في آذار 2010 إلى دولة مكاو ـــــ إحدى المناطق الإدارية التابعة للصين الشعبية ـــــ بتكليف من المتهم الثاني بغرض البحث عن أشخاص للعمل في مجال شركات الاتصالات بمصر سعياً إلى تجنيدهم لمصلحة جهاز الاستخبارات الإسرائيلية، فأبدى موافقته وأنشآ موقعاً على شبكة المعلومات الدولية باسم شركة «هوشتك» مقرّها مقاطعة هونغ كونغ تغطية للإعلان عن وظائف شاغرة في مجال الاتصالات في مصر.
كُلف طارق مسؤولية الإشراف على الشركة واستقبال نماذج البيانات والمعلومات وإعداد تقارير عن الراغبين في العمل في هذا المجال وعن ظروفهم الاجتماعية ومؤهلاتهم العلمية.
هنا تنتهي الرواية الرسمية للتنظيم، الذي يبدو أنه كُشف في لحظة حساسة من حرب غير معلنة بين مصر وإسرائيل. رواية توجّه رسالتين، الأولى تمثّل ضربة للموساد عبر كشف اسمي ضابطين ناشطين في المنطقة، والثانية الى دمشق وحزب الله، ومفادها بأن الأجهزة المصرية «لن تشترك مع أي طرف في خطة لضربكما، مهما كان الاختلاف معكما».