■ يلاحظ انخفاض كبير في سعر صرف الدينار الجزائري. ما هي أسباب ذلك وآثاره على الاقتصاد الوطني؟


إنّ سعر صرف الدينار الجزائري لا يعبّر عن قيمته الحقيقية، ليس من اليوم (2013 ــ 2015)، بل منذ فترة، ولكن تدخل البنك الجزائري في إدارة سوق الصرف بعيداً عن أساسيات السوق النقدية جعل من سعر صرف الدينار سعراً إدارياً وليس معوّماً وسعراً فوق قيمته الحقيقية.

ومن آثار الدينار الضعيف ارتفاع الأسعار غير المدعمة (السيارات، قطع الغيار، الدواء، العلاج بالخارج، الملابس)، وارتفاع فاتورة الدعم الحكومي (مشتقات النفط، الحبوب، الزيوت، السكر، الحليب)، ما يزيد عبئاً جديداً على ميزانية الدولة. على ذلك، أتوقع نقاطاً مهمة في التضخم بدءاً من الثلاثي الأول لعام 2016، وقد نقترب من تضخم برقمين اثنين (أكبر من 10 في المئة). وفي جانب السياسة النقدية، سيؤدي خفض الدينار في مرحلة لاحقة إلى رفع سعر الفائدة لدى البنك المركزي لضبط كلفة الإقراض، ما يؤدي آلياً إلى ارتفاع كلفة رأس المال، ومن ثم كلفة الاستثمار.

■ تعرف مداخيل الجزائر تراجعاً كبيراً بسبب انخفاض أسعار النفط، ويشهد احتياطي الصرف الأجنبي تآكلاً. ما هي توقعاتكم للمؤشرات المالية في نهاية السنة؟ وهل ستكون الجزائر باعتقادكم في خطر؟


أن تكون الجزائر في خطر اقتصادي، فهذا مستبعد جداً

أن تكون الجزائر في خطر اقتصادي، فهذا مستبعد جداً بسبب هامش مناورة الحكومة في تلبية الطلب الداخلي وفي تمويل المشاريع الكبرى للحكومة، وحجمها 26 مليار دولار في 2015.
هذا الهامش نجده في كل من صندوق ضبط الإيرادات (صندوق خاص لدى وزارة المالية يعادل 47 مليار دولار) والاحتياطي من النقد الأجنبي (170 مليار دولار)، أي إنّ مجموع 217 مليار دولار يضع التوازنات الكبرى للدولة في مجال الحماية لمدة عامين ونصف، أي حتى 2018.
هذا في مجال مخزون الإيرادات. أما على صعيد تدفق إيرادات الميزانية، فإن آخر السنة سيقفل على إشارات مقلقة، وهي: تراجع الصادرات من 68 مليار دولار في 2014 إلى 34 مليار دولار آخر سنة 2015 ــ استقرار الاستيراد حول السقف العالي، أي 57.3 مليار دولار ــ تفاقم عجز الميزان التجاري نحو 20 مليار دولار، وهو عجز تجاري غير مسبوق في تاريخ الوقائع الاقتصادية للجزائر ــ نفقات الميزانية ستقفل على 75.8 مليار دولار مقابل إيرادات للميزانية عند 49.5 مليار دولار، ما يعني عجزاً للموازنة عند عتبة 28 مليار دولار.
التضخم سيرتفع بدفع من تراجع الدينار وقد يقترب من 10 بالمئة (حالياً 5.3 بالمئة) نهاية 2015 أو بداية 2016 ــ سعر الفائدة سيتبع سعر صرف الدينار كي يرتفع بين نصف النقطة والنقطة مئوية.

■ اتخذت وزارة المالية تدابير للعفو الجبائي من أجل استرداد الأموال المتدوالة في السوق السوداء. هل يمكن هذا الإجراء أن يحقق نتائج إيجابية في ظل تفاقم ظاهرة الاقتصاد الموازي في الجزائر؟


ستحافظ الحكومة على المشاريع التي شرعت بإنجازها في إطار الخطة الخمسية
بالنظر إلى حجم السيولة المتداولة في السوق الموازية (37 مليار دولار مقدّرة، ما يعني 40 بالمئة من حجم السيولة الكلي) حيث نجد العائد على توظيف الأموال عالياً بدفع من التهرب الضريبي وحجم الطلب الداخلي، وبالنظر إلى ضعف كفاءة الجهاز المصرفي من حيث خدمات الادخار والتحويل وباقي خدمات الصرف والتنوع في المنتجات البنكية، فإن هذا الاجراء على الرغم من منطقيته ومعقوليته يبقى محدود الأثر ولا يمكننا الحكم عليه إلا باختباره نهاية السنة. والمطلوب حالياً هو عمليات تسهيل الاستثمار من خلال رفع كفاءة توظيف الادخار لدى بنك الجزائر كي ترتفع كفاءة رأس المال في السوق الرسمي إلى مستوى يساوي (أو أعلى من) السوق الموازية، ثم استحداث وزارة منتدبة للجباية وظيفتها الابتكار المالي في تحصيل الجباية بطرق أكثر نجاعة.

■ ما رأيكم في إجراءت الحكومة التي اتخذتها تحت ضغط تراجع المداخيل، وهل يمكن وقفَ بعض المشاريع العمومية أن يعطّل معدل النمو الذي يعتمد في الأساس على الإنفاق العمومي؟

■ ستحافظ الحكومة على المشاريع التي شرعت في إنجازها (في إطار الخطة الخمسية 2015 ــ 2019) أو التي هي في طور الدراسة وذات الأولوية القصوى (السكن، النقل، الصحة، التربية) وحجمها 26 مليار دولار، والاستغناء عن باقي المشاريع غير ذات الأولوية والتي لا تؤثر في النمو أو التي لم يشرع في إنجازها أو بدء الدراسات بشأنها، وأتوقع أن حجمها يصل إلى 29 مليار دولار. وبالتالي إن حجم ترشيد الإنفاق العمومي في مجال المشاريع الكبرى قد يمسّ 53 بالمئة من المشاريع المخططة في بداية الخطة الخمسية.

■ برزت بقوة في الجزائر ظاهرة رجال الأعمال في الفترة الأخيرة، والبعض يصفهم بالأوليغارشيا التي تسعى إلى نهب الثروة. هل تعتقدون بقدرة هؤلاء على بناء قطاع منتج مكمّل للقطاع العام؟

نعم، يمكن إذا عرفنا كيف ندمج هذا النوع من الأثرياء الجدد في المنظومة الاقتصادية بتمكينهم من المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية العالية (أعلى من السوق الموازية). الأمر يتطلب ميثاقاً وطنياً للشراكة الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص، أي إشراك رأس المال الخاص في مشاريع الدولة الكبرى، سواء من جانب الشراكة في رأس المال أو الشراكة في الإدارة (المناولة).

لا يزال بين أيدينا هامش تحرك للحاق بمعيار الإقلاع والنشوء بخصوص القطاعات الراكدة


■ هل تعتقدون أن الوقت لا يزال متاحاً لإنقاذ الاقتصاد الوطني بعد «تضييع» 15 سنة من الوفرة المالية؟ وما هي الحلول التي تقترحونها لذلك؟

نعم، لا يزال بين أيدينا هامش تحرك للحاق بمعيار الإقلاع والنشوء بالنظر إلى (بخصوص) القطاعات الراكدة التي هي دون سقف النمو مثل: الفلاحة (الصناعة الفلاحية، الزراعية)، الصناعة (المنشأة الصغرى والمتوسطة)، المحروقات (التحويل والبتروكيمياء)، المناجم (الاستخراج والتحويل)، الخدمات (البنوك والسياحة بأنواعها: الدينية والثقافية والعلاجية)، المعلومات (الاتصال وتكنولوجيا المعلومات).
لدينا فرصة للإقلاع في عام 2021 إذا بدأنا الآن في خطة الطريق، وفرصة للصعود أي النشوء في 2030 إذا استكملنا خطة الطريق.
وخطة الطريق مبنية على ستة مفاتيح للنمو هي:
1- نموذج قياسي للاستشراف 2050
2- تنويع الاقتصاد بدمج القطاعات الراكدة في النمو، ومنها قطاع المصارف والمالية.
3- تطبيقات المعرفة في الأداء الاقتصادي.
4- الابتكار ونظم المعلومات وتكنولوجيا الاتصال.
5- تجسير العلاقة بين البحث العلمي والانتاج.
6- أخيراً، الإدارة الحديثة للمؤسسة المنتجة.








عجز قياسي ومخاوف من تكرار «أزمة 86»

سجّلت الجزائر خلال سبعة أشهر فقط من سنة 2015، عجزاً قياسياً في ميزانها التجاري، بلغ أكثر من ثمانية مليارات دولار، كما تشير الأرقام الرسمية. والرقم مرشح للوصول إلى 10 مليارات دولار نهاية السنة.
وتنبعث من هذه المؤشرات مخاوف حقيقية من عودة شبح الأزمة الاقتصادية التي خيّمت على الجزائر سنة 1986 (الانتفاضة العارمة التي تلتها الأزمة السياسية والأمنية في البلاد)، برغم طمأنة الوزير الأول، عبد المالك سلال، إلى أنّ الجزائريين لن يعودوا إلى سنوات الفقر من جديد.
وأفادت الجمارك الجزائرية بأنّ الميزان التجاري الذي يقيس الفارق بين الصادرات والواردات، سجل عجزاً بـ 8.041 مليارات دولار خلال 7 أشهر الأولى من السنة الجارية مقابل فائض بـ 3.964 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من 2014. وبذلك تكون الصادرات قد غطت 74 بالمئة من الواردات خلال الـ 7 أشهر الأولى لـ 2015، مقابل تغطية بلغت 111 بالمئة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
ويعود هذا العجز إلى التراجع الحاد في عائدات المحروقات التي بلغت 21.559 مليار دولار، أي ما يمثل 94.05 بالمئة من مجموع صادرات البلد مقابل 37.222 مليار دولار في الفترة نفسها من 2014 (-42.08 بالمئة). أما الصادرات خارج المحروقات، فتظل محدودة للغاية، وتدل على عجز الحكومة في تنويع مصادر الدخل، إذ بلغت 1.365 مليار دولار، أي ما يقارب 6 بالمئة من مجموع الصادرات.
ويزيد من متاعب الحكومة الجزائرية أنّ هيئات دولية صارت تصنفها من بين الدول ذات المخاطر العالية، وهو ما يعني أن نسب الفائدة، إذا قررت الجزائر الاستدانة، ستكون مرتفعة للغاية. ويرجّح الخبراء الاقتصاديون أن تعود الجزائر إلى الاستدانة الخارجية مع بداية سنة 2018، بعدما كانت قد تخلصت منها، وذلك في حال استمرار تآكل احتياطي العملة الصعبة الذي وفرته خلال سنوات الفائض البترولي، إذ تراجع هذا الاحتياطي بـ30 مليار دولار منذ نهاية 2014.
وإزاء هذه التطورات، بعث الوزير الأول الجزائري، عبد المالك سلال، بإشارات طمأنة إلى الجزائريين، داعياً إياهم إلى عدم الاستسلام للخوف. وأكد لهم أنهم لن يعودوا إلى سنوات الفقر التي عاشوها مع نهاية الثمانينيات وفترة التسعينيات، إذ إن الحكومة، وفقاً له، قد أخذت كل الاحتياطات لمواجهة تراجع أسعار النفط، وهي تعمل على تنويع الاقتصاد الوطني الذي يتيح للجزائر الخروج من اعتمادها المطلق على صادرات المحروقات.
لكن أحزاب المعارضة تكذّب بشدة هذه الطمأنات، وتتوقع من جهتها أن تتجه الجزائر إلى أزمة اقتصادية وشيكة ستكون لها آثار مدمرة على باقي الجوانب الاجتماعية والسياسية في البلاد. ويقول رئيس «حركة مجتمع السلم ــ حمس»، عبد الرزاق مقري، إن ما يحدث سيذهب بالجزائر إلى ما عاشته في تشرين الأول/ أكتوبر 86، لافتاً إلى أن الحل يكمن في الذهاب إلى التوافق والانتقال الديموقراطي الذي يتيح إيجاد تصور لتفادي الأزمة التي يؤكد رئيس الحكومة السابق أحمد بن بيتور أنها آتية لا محالة.