اكتملت دائرة مشاكل اليمن مع تفجر الخلافات بين السلطة والمعارضة في الشمال، بعدما أقرّ حزب المؤتمر الوطني الحاكم، الذي يتمتع بالغالبية النيابية، قانون انتخابات جديداً، غير آبه للأصوات المعترضة، وبدأ بمناقشة إمكان تعديل الدستور لتعبيد الطريق أمام بقاء الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في الحكم إلى أجل غير مسمى وبصلاحيات مطلقة.

وفيما كانت أنظار نواب المعارضة، ممثلةً بأحزاب «اللقاء المشترك» الذي يضم التجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، تتركز على محاولة إجبار السلطة على العودة عن تعديلات قانون الانتخابات، بدأ نواب الحزب الحاكم مناقشة رزمة جديدة من التعديلات الدستورية تحمل في طياتها «انقلاباً» على النظام السياسي في اليمن.
ونقلت صحيفة «الوطن» اليمنية عن مصادر برلمانية قولها إن التعديلات تتضمن توجهاً لتغيير النظام المختلط (الرئاسي والبرلماني) إلى النظام الرئاسي، ليتحول رئيس الجمهورية إلى المسؤول المباشر أمام البرلمان، بعدما كانت المسؤولية ملقاة على الحكومة.
وتماشياً مع محاولات صالح لتعزيز حكمه، يتجه مجلس النواب اليمني إلى تقليص مدة رئيس الجمهورية إلى خمس سنوات بدلاً من سبع، مقابل إلغاء الدورتين المنصوص عليهما سابقاً.
ويهدف الحزب الحاكم إلى «تصفير العداد» و«إعلان صالح رئيساً مدى الحياة»، وفق ما أكده الأمين العام المساعد للحزب الحاكم سلطان البركاني.
كذلك ستتضمن التعديلات تحويل مجلس الشورى اليمني، الذي يُعيَّن أعضاؤه، إلى مجلس منتخب، على أن يصبح غرفة ثانية إلى جانب مجلس النواب وتقلص مدته إلى أربع سنوات مجدداً بدلاً من ست.
وفي حديث مع «الأخبار»، رأى القيادي في لجنة الحوار الوطني، محمد يحيى الصبري، أن هذه التعديلات تمثّل «انتهاكاً صارخاً وفاضحاً للدستور اليمني، وتتعارض مع حق اليمنيين في أن يحكموا من خلال القانون». ولفت إلى عدم دستورية إقرار مثل هذه التعديلات، على الرغم من امتلاك الحزب الحاكم لنصاب الثلثين لإمرارها، مؤكداً أن المقترحات تتعارض مع مفهوم التوافق الوطني.
وأكد الصبري مواصلة المعارضة الدفاع عن الدستور والقانون بالتعاون مع مختلف أطياف المجتمع اليمني؛ لأن ما يخطط له ليس مشكلة المعارضة؛ بل مشكلة اليمن ككل. وحذر من أن الواقفين خلف «تأبيد الرئيس اليمني في الحكم» يسعون إلى خلق المزيد من المشكلات على الصعيد الوطني بطريقة غير عادية.
وأوضح الصبري أن «الهبّة الشعبية» التي دعت إليها المعارضة ليست بمعناها الفوري، بل ثمة برنامج عمل يناقش على المستوى الوطني لتعميمه على المحافظات.
وكان الخلاف بين المعارضة والحزب الحاكم قد تفجر بعد إدخال تعديلات شملت 31 مادة في قانون الانتخابات الجديد. وتتركز اعتراضات المعارضة على نقطتين أساسيتين ترتبطان بجداول الناخبين وأعضاء الهيئة المشرفة على إجراء الانتخابات.
وترى المعارضة أن السلطة عمدت إلى تجميد سجل الناخبين، بعدما اعتمدت على سجل 2003 ومنعت إدخال تعديلات عليه بعد عام 2008.
وترى أن التعديل جاء لحرمان غير المسجلين في السجلات الانتخابية في تلك الفترة المشاركة في الانتخابات المقبلة، ما يتعارض مع المادة الـ43 من الدستور التي تنص على حق جميع المواطنين، ممن تتوافر فيهم الشروط في الانتخاب والترشّح.
أما النقطة الثانية من الخلاف، فتتمثل في إقرار البرلمان تعديلاً يفرض اختيار أعضاء اللجنة العليا للانتخابات من القضاة، بعدما كان انتقاؤهم يجري من بين مرشحين ينتمون إلى الأحزاب الممثلة في البرلمان. كذلك رفعت التعديلات عدد أعضاء اللجنة من 7 إلى 9.
وبالفعل لم يتأخر البرلمان اليمني في ترشيح 15 قاضياً لرئيس الجمهورية، الذي اختار 9 منهم لإدارة الانتخابات رسمياً، بعدما أقسموا اليمين الدستورية.
وبعدما اكتشفت المعارضة أن الحزب الحاكم فرض عليها واقعاً جديداً لا تملك القدرة على تغييره داخل المؤسسات الدستورية لافتقارها إلى الغالبية، أو في مؤتمر الحوار الذي يفترض انعقاده مطلع العام المقبل، اختارت اللجوء إلى عدد من الخطوات التصعيدية.
وبعد إعلانها الاعتصام المفتوح داخل مقر البرلمان ومقاطعة جلساته على مدى أكثر من أسبوعين، انتقلت المعارضة قبل أيام إلى المرحلة الثانية من احتجاجها، عبر الاعتصام في الشارع، وسط تهديد بمقاطعة الانتخابات المقبلة لافتقادها الشرعية، إدراكاً منها لحتمية مواجهة النظام لأزمة شرعية في الجنوب الرافض للانتخابات والمطالب بفك ارتباطه عن الشمال.
وتتهم أحزاب اللقاء المشترك السلطة بالانقلاب المكشوف على اتفاق 23 شباط 2009، الذي رعاه الاتحاد الأوروبي في حينه، ونص على تأجيل الانتخابات التشريعية سنتين، إلى جانب الحوار لإجراء تعديلات دستورية وتعديل قانون الانتخابات العامة وتصحيح القوائم الانتخابية.