تونس | أثارت حركة تعيين الولاة (المحافظين) الجدد في تونس، نهاية الأسبوع الماضي، جدلاً تجاوز رفض الأحزاب المعارضة لها وبلغ حد تعبير ثلاثة أحزاب من ضمن رباعي الائتلاف الحكومي امتعاضها حيال الطريقة التي اعتمدها رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، في تعيين المحافظين.

ويبدو أنّ الحبيب الصيد لم يستند إلى أيٍّ من لوائح المرشحين التي تقدمت بها الأحزاب، حتى تلك الخاصة بـ«نداء تونس»، ما دفع مجمل أطراف الائتلاف الحكومي إلى عقد اجتماعات لمكاتبها السياسية لاتخاذ موقف بهذا الخصوص.

وبلغت التطورات هذا الحد برغم كل الاجتماعات التي عُقدت سابقاً مع رئيس الحكومة لتلافي الخلافات، الأمر الذي أظهر الأحزاب «الائتلافية»، في نهاية المطاف، وكأنها باتت تُعارض الحكومة وليست الداعم السياسي لها. وتسارعت التطورات في وقت ينتظر فيه الجميع إقامة الانتخابات المحلية المتوقعة في نهاية العام المقبل، التي تتأثر بصورة أو بأخرى بحركة تعيينات الولاة.
المكتب السياسي لـ«نداء تونس» (وهو صاحب الغالبية البرلمانية) عقد اجتماعاً طارئاً استمر حتى ساعات متأخرة من ليل أول من أمس، ودعا أعضاؤه الحكومة إلى «وضع منهجية أفضل بالتعاون مع الأحزاب تقوم على تحديد واضح لشروط التعيين في إطار الشفافية والتعامل المؤسساتي مع الأحزاب المعنية وتمثيلية المرأة بما يتماشى مع المبادئ الدستورية».
موقف المكتب السياسي لـ«النداء» (السلبي)، الذي لم يعبّر عن الامتعاض الحقيقي الذي خلّفته حركة التعيينات، اعتبره المتحدث الرسمي باسم الحزب، بوجمعة الرميلي، في حديث لـ«الأخبار»، «عادياً» باعتبار أنّ «النداء» هو من شكّل الحكومة، وليس من المعقول أن تكون بياناته أو مواقفه حادة.
وقال الرميلي إنّ «حركة الولاة والأسماء التي وضعها رئيس الحكومة فاجأتنا، خاصة أننا اتفقنا معه في إطار اجتماعات الائتلاف الحاكم... على مقاييس وشروط». وأوضح أنّ «كل حزب تقدّم بلائحة تضم مرشحين له... لم يكونوا، ضرورةً، ينتمون حزبياً إلى أيٍّ من الكيانات السياسية المشاركة في الائتلاف الحاكم»، خاتماً بأنّ الصيد «لم يعتمد تقريباً أيّاً منها».

مواقف حذرة... وتريث

موقف حزب «آفاق تونس» لم يكن واضحاً لكنه، على الأقل، لم يساند الصيد باعتبار أن المعلومات المتوافرة عن الشخصيات المقترحة أغلبها متضاربة، بحسب ما أكده الأمين العام للحزب، فوزي عبد الرحمن، في حديث لـ«الأخبار». وقال عبد الرحمن إن حزبه سيقوّم حركة المحافظين من خلال عملهم وأدائهم، ولن يكون له موقف متشنج، برغم أنّ رئيس الحكومة تجاهل مقترحات «آفاق تونس» واللائحة التي قدمها له بهذا الخصوص.


بوجمعة الرميلي لـ«الأخبار»: حركة الولاة والأسماء التي وضعها رئيس الحكومة فاجأتنا

أما الشريك الثالث في الائتلاف الحكومي، وهو «الاتحاد الوطني الحر»، فقد لوّح بداية برفضه المطلق، حتى أن البعض تحدث عن وجود نية للانسحاب من الحكومة لعدم حصول الحزب على أي منصب في أي ولاية. لكن بعد اجتماع مغلق جرى عقده، قرّر «الاتحاد» البقاء في الائتلاف ودعم رئيس الحكومة برغم الاختلاف معه في بعض التوجهات والخيارات، في إشارة إلى التعيينات الأخيرة.
وعقب انتهاء اجتماع المكتب التنفيذي والكتلة البرلمانية برئيس الحزب، سليم الرياحي، تغيّرت مواقف قيادات الحزب من الرفض القاطع إلى دعم هذه التعيينات ومساندتها، باعتبار أن المبدأ المتفق عليه أن لا تكون حركة الولاة مبنية على أساس المحاصصة الحزبية. وأبرز بيان لـ«الاتحاد» أهمية «وحدة الصف نتيجة تأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني».
«حركة النهضة» لم تصدر من جهتها أي موقف رسمي، برغم أن موضوع التعيينات مهم لها، خاصة أنها تعوّل كثيراً على الانتخابات المحلية المرتقبة لدعم موقفها السياسي والعودة كحزب أول في البلاد.
وفي حديث لـ«الأخبار»، يوضح المتحدث الرسمي باسم الحركة، أسامة الصغير، أن «النهضة» لم تحدد موقفها بعد، مضيفاً أنها ستدرس ملفات كل الولاة خلال الساعات المقبلة وستصدر موقفاً مبنياً على قراءة عميقة.
عموماً، إنّ هذا الحذر في التعاطي مع التعيينات يخفي في طياته امتعاضاً كبيراً، خصوصاً من جانب «نداء تونس» الذي يرى في نفسه المتضرر الأول، باعتبار أنه الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية الأخيرة، في وقت أنّ هذا الفوز لم ينعكس على أي من التعيينات، لأنّه يبدو أنّ رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، لا يعتمد التوازنات السياسية كمقياس لأي من التعيينات التي يقوم بها.