لقاء أهل الداخل أحد الأسباب التي تدفع بالحجاج الفلسطينيين إلى الإقبال بكثافة على موسم الحج، إضافة بالطبع الى مناسكه. هكذا يتّخذ لقاء أبناء أراضي 1948 على جبل عرفات نكهة لا يعرفها إلا المحروم منها


قاسم س. قاسم
هو حجّ لا شكّ. لكنه حج بأجرين، لمن استطاع الى أهله المغيّبين بالاحتلال الاسرائيلي سبيلاً. هنا، عند عودتهم من لقاء ثاني القبلتين في مكة المكرمة، يعود الحجاج الفلسطينيون محمّلين بأخبار أهلهم في أولاهما، القدس. هكذا يكون موسم الحج عند الفلسطينيين حجّين: حج الى الكعبة الشريفة، وحج الى أرض فلسطين حتى لو لم يروها، إذ يكفيهم أن يشمّوا رائحتها، أن يسمعوا أخبارها مباشرة من أبنائها القادمين منها، أخبار الناس لا اخبار نشرات الأخبار. ولدى عودتهم، يعرف المتوافدون على دار الحاج ان هدية ثمينة بانتظارهم من هناك، لا علاقة لها بماء زمزم او المسبحات المباركة، بل بمن التقى هناك ومن اي قرية فلسطينية جاء الذي التقاه. أما المحظوظ؟ فمن يلتقي احد ابناء قريته التي هجّر اهله منها. هذه اللقاءات قد تحصل بالصدفة، او تكون مدبرة مسبقاً. هكذا التقت الحاجة انعام الهابط من مخيم شاتيلا شقيقتها التي تسكن في قطاع غزة، والتي لم ترها منذ اكثر من 30 عاماً. لكنها، كما تقول لـ«الأخبار»، كانت على تواصل دائم معها عبر الهاتف. «كان نفسي اشوفها، قبل ما اموت»، تقول السيدة الستينية بتأثر.
حاولت الهابط مسبقاً أن تزور القطاع لكنها لم تستطع اليه سبيلا، كما حاولت شقيقتها أن تترك القطاع وتأتي لزيارة اختها لكن السلطات المصرية لم تسمح لها بالمرور عبر اراضيها. «فكرنا ايش ممكن نساوي، فكان افضل إشي نلتقى بالحج»، وهذا ما حصل. تستأذنك الهابط تقوم وتأتيك بحبتي تمر وكوب من «ماء زمزم»، ومسبحة لتهديها لك. تكمل السيدة حديثها، «وصلنا الى مكة وكانت فرحتي فرحتين، اولاً لأنني سأزور بيت الله الحرام، وثانياً لأنني سأرى شقيقتي». تتوقف الحاجة عن الكلام وتأخذ نفَساً عميقاً، ثم تلتمع عيناها وهي تقول «بعدما انتهينا من الشعائر على جبل عرفات، توجهت الى مكان الحملة التي كانت اختي مشاركة فيها، فقد كنا على تواصل دائم منذ خروجها من غزة الى حين وصولها الى مكة». نسألها: كيف كنتو تحكو مع بعض يا حجة وما معكم تلفونات، يعني كيف عرفتي وصلت على السعودية، او طلعت من مصر؟. تضحك ملياً من قلبها وهي تقول «ولو يا ابني شغلنا المخيمات» وتضيف، «كانوا ولادي يتصلوا على غزة ليعرفوا وين صارت، والعكس كمان. فيك تقول كنّا متبّعين بعض». تصل السيدة في حديثها الى لقائها مع شقيقتها «توجهت الى الخيم التي استأجرتها الحملة التي جاءت معها، تأملت وجوه النسوة. كان ابني يبحث معي بالرغم من انه لا يعرف كيف تبدو خالته الا من خلال الصور». تضيف مبتسمة: «كانت الاشارة بيننا ان تقف على باب خيمتها حاملة شمسيتها، برغم من ان الوقت كان مساءً حينها»، تضيف «مين معقول يعمل هادا الاشي؟ يعني لما تكون الدني معتمة وفي واحدة حاملة شمسية على باب خيمتها ما رح تكون غيرها!». رأت انعام الشمسية من بعيد، «اسرعت بخطواتي تجاهها، اقتربت منها ونظرت في وجهها: تأملت تفاصيلها، ودهمني البكاء، فهي اكثر من يشبه والدتي» تقول. تغص الحاجة للحظة، ثم تبلع بريقها، وتقول إنه بعد العناق الطويل جلست انعام مع شقيقتها الليل كله ليتحدثا عن العائلة، وليستفسرا عن الاولاد واولاد الاولاد. «مر الليل سريعاً، ولم ننم في تلك الليلة وأكملنا المناسك معاً»، الى أن «حان موعد الفراق بيننا مجدداً، لأن حملتنا عادت الى لبنان قبل حملتها». وعند سؤالها عن اللقاء المقبل؟ تدمع عينا الهابط «الله اعلم، لكنني حققت ما كنت احلم به، وهو ان ارى شقيقتي». بالطبع ليس الجميع محظوظاً مثل الهابط التي حظيت بفرصة لقاء شقيقتها في مكة. هكذا تعرف الحاج مصطفى قدورة إلى ابناء قريته من ترشيحا. الرجل الذي يزور مكة للمرة الثالثة على التوالي، يتعرف في كل مرة يحج فيها إلى وافدين جدد من قريته. يتذكر قدورة المرة الاولى التي رأى فيها شخصاً من ترشيحا: «لم


المحظوظ من يلتقي احد ابناء قريته التي هجّر اهله منها

أصدق عيني، بأن من أراه امامي الآن سيعود الى ترشيحا التي هي مجرد حلم بالنسبة لي». لكن كيف خطرت على باله للمرة الاولى، فكرة ان يفتش في الحج عمن اتى من ترشيحا؟ «كنت اسمع عمن كانوا يعودون من الحج الى المخيم أنهم كانوا يلتقون بأبناء اراضي 48 في الحج، ففكرت لم لا افتش عنهم؟». هكذا، وبهذه البساطة قرر قدورة التفتيش عن الآتين من ترشيحا، فوجد خيمهم. يروي الرجل كيف دخل الى إحدى الخيم، عرّف عن نفسه: «انا فلسطيني من ترشيحا، وأسكن في مخيم شاتيلا». هذه العبارة كانت كافية لتكون بطاقة مروره الى قلوب الحاضرين. يكمل قدورة «لا اعرف لكنني كنت اضم كل واحد منهم الى صدري، وأشمه كأنني كنت اشمّ ترشيحا». يصمت الرجل ليضيف «قد تقول إنني ابالغ، لكنني كنت اشمهم حتى أحسوا بأنني أحاول ان اشم رائحة ترشيحا فيهم». جلس قدورة، سمع منهم عن احوال القرية، سألهم عن الاماكن التي كان يسمع عنها من والده. أخبروه عن المدرسة التي كان يرتادها والده، وكيف ان الطريق المؤدية اليها تغيرت. بعد مرور ثلاث سنوات على زيارته المتكررة لمكة، اصبح قدورة على صداقة مع عريف الحملة الذي كان يأتيه في كل مرة بشيء جديد من قريته. اما اغلى ما حصل عليه فهو «تراب وأوراق زيتون، اوصيت بأن تدفن معي اذا لم نعد يوماً» يقول.


يتابع أبناء مخيم برج البراجنة اخبار حجاجهم وأقاربهم عبر قناة تلفزيونية داخلية تابعة لحركة حماس تبث ما يقوم به الحجاج في مكة. بالطبع المحطة لا تستطيع القيام بعملية النقل المباشر من السعودية، الا ان بعض المشاركين في الحملة يسجلون مقاطع فيديو للحجاج الفلسطينيين ويرسلونها الى القناة التي تبثها لكي يطمئن الاهل إلى احوال الحجاج. هذه كانت مهمة القناة الاساسية فقط، التي تحولت فيما بعد إلى قناة لديها برامجها الخاصة ينتظرها ابناء المخيم.