تنظر قمّة مجلس التعاون الخليجي اليوم في العديد من الملفّات السياسيّة والأمنية والاقتصادية، غير أن نتائجها لم تختلف عن سابقاتها أو نظيراتها العربيات، ولا سيما في ظل الخلافات التي ستطلّ برأسها من خارج جدول الأعمال، وفي مقدمها الأزمة الحدودية بين الإمارات والسعودية، التي ألقت بثقلها على سائر الملفات الخليجيّة


بشير البكر
قبل ثلاثة عقود تأسس مجلس التعاون الخليجي في أبو ظبي، وها هي قمته الحادية والثلاثون تنعقد اليوم في المدينة نفسها. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالقادة المؤسسون كان هاجسهم الأمن قبل كل شيء، حين كانت المنطقة تعيش تداعيات الحرب العراقية ـــــ الايرانية. أراد آباء التجربة أن يحموا كياناتهم الضعيفة من الخطر الايراني، فأجّلوا كل خلافاتهم الحدودية، التي ظلت تتفاعل تحت الرماد، لتشتعل بين حين وآخر، مهددة بتقويض أركان البيت.
ومن دون شك فإن أصل المشاكل الحدودية يعود إلى الخرائط التي رسمها البريطانيون للمنطقة، لكن الشراهة السعودية هي التي جعلت من هذه المسألة لغماً موقوتاً قابلاً للانفجار على الدوام. والسمة العامة هي أن السعودية على خلاف حدودي مع كل دول المجلس الخمس، كما أنها طرف في بعض الخلافات الثنائية. والملاحظ في تجربة المجلس أن هناك تلازماً بين الملفات، الأمر الذي ألقى بظله على الشؤون الأمنية والاقتصادية والسياسية.
البداية كانت حين رسم الملك عبد العزيز آل سعود خريطة للمملكة حدودها الماء. وعندما سأله مسؤول بريطاني في أربعينيات القرن الماضي عن تصوره لحدود المملكة، قال الرجل الذي وضع أساس المملكة الثالثة سنة 1901 «حدودي حيث يقف الغزال». أي أنه كان ينظر نحو البعيد، يريد الوصول الى البحر. فابن نجد الصحراوية لم يكن ليشبع نهمه أنّ مُلْكه يمتدّ على سواحل البحر الأحمر، بل كان يحلم بأن يوسع مدى مملكته لتصل الى بحر العرب والخليج العربي كله.
نجح ابن سعود في أن يحقق بعض أحلامه حين قضم مساحات شاسعة من اليمن، وسعى إلى بسط نفوذه على الخليج، لكن نزعاته التوسعية اصطدمت بالتاج البريطاني، صاحب القرار في المنطقة حينذاك. ويروي أمين الريحاني في كتابه «ملوك العرب» أن خريطة المنطقة، التي رسمها المقيم البريطاني في عبادان السير بيرسي كوكس في مؤتمر العقير الذي انعقد في خيمة الملك عبد العزيز سنة 1922، لم تَرق لابن سعود. ويقول الريحاني إن المسؤول البريطاني بعدما استمع الى رأي عبد العزيز تناول عصاه ورسم خريطة على الرمل.
نزلت دمعة من عين الملك السعودي، الذي لم يعرف البكاء طريقاً إلى قلبه، فاستردّ عصاه بسرعة ليهزّها في وجه كوكس، وقال له «والله لو أن شخصاً آخر رسم هذه الخريطة، غير مندوب صاحبة الجلالة، لقتلته بهذه العصا».
ظلت السعودية تلوّح بالعصا لجيرانها في المنطقة، وتزحف رويداً رويداً نحو البحر، فالمنطقة بالنسبة إليها ليست سوى خرائط من الرمال المتحركة. وبدلاً من أن يطلق ابن سعود غزلانه، أرخى لجماله العنان، فظلت تتقدم شيئاً فشيئاً على طريق الماء والكلأ، حتى ناخت على شطآن بحر العرب، على مسافة قريبة جداً من الإمارات وقطر. وصار للسعودية منفذ بحري، وامتلكت حقول نفط جديدة، وفرقت بين البلدين الجارين، حتى اصبح الإمارتيون والقطريون مجبرين على المرور بالأراضي السعودية لكي يتنقلوا بين البلدين.
أبرز النزاعات الحدودية هو الخلاف بين السعودية والإمارات، وقد أطلّ برأسه بعد استقلال دولة الامارات في مطلع سبعينيات القرن الماضي. الخلاف كان حول واحة البريمي، التي كانت في الوقت نفسه محل نزاع بين ابو ظبي وسلطنة عمان، الذي انتهى بتقاسم المنطقة، ست قرى لإمارة ابوظبي وثلاث لسلطنة عمان. وبعيداً عن منطق الحل بالتراضي، فرضت السعودية على الإمارات صفقة مجحفة عندما تراجعت عن مطالبها في منطقة العين وصحراء الظفرة وفق اتفاقية جدة للحدود مع الإمارات سنة 1974، مرفقة ذلك باعترافها بدولة الإمارات، وحصلت في المقابل على سبخة مطي الغنية بالنفط وخور العديد وجزء من المثلث الجنوبي.
وخور العديد يشمل منطقة ساحلية بطول 25 كيلومتراً، وهي التي فصلت حدود قطر والإمارات، كما آلت للسعودية نسبة 80 في المئة من آبار حقل (زراره) الشيبة، التي تضم احتياطياً يقدر بـ20 مليار برميل و650 ألف متر مكعب من الغاز. وتقضي الاتفاقية، في حال اكتشاف النفط على الحدود المشتركة، سواء قبل الاتفاق أو بعده، أن تؤول ملكية الحقل برمّته الى الدولة التي يقع فيها الجزء الأكبر منه، ولذا اصبحت ملكية حقل الشيبة وموارده ملكاً للسعودية. وبدأت شركة آرامكو العمل فيه سنة 1998، وهو ينتج نحو 600 ألف برميل يومياً.
منذ رحيل مؤسس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان عام 2004 تغير الجوّ بين الرياض وأبوظبي، فحاولت الأخيرة تصحيح الخلل القائم الذي كرّسته اتفاقية جدة. وأثار الرئيس الاماراتي الشيخ خليفة بن زايد الأمر رسمياً خلال زيارة الى الرياض. لكن المسؤولين السعوديين صمّوا آذانهم. وتكررت محاولات أبو ظبي طيلة خمس سنوات، إلا أنها بقيت تصطدم بجدار الممانعة السعودية. ولعبت الرياض منذ سنة 2008 جملة من أوراق الضغط ضد الإمارات، في محاولة لثنيها عن مواصلة المطالبة بإعادة التفاوض حول الاتفاقية، منها عرقلة التنقل بين البلدين. وفي آب 2009، منعت السعودية إماراتيين من دخولها باستخدام بطاقات الهوية الخاصة بهم، تحت ذريعة أن البطاقة تحتوي على خريطة تظهر أراضي سعودية على أنها جزء من الإمارات. وفي السياق، تضمّن الكتاب السنوي الذي تصدره دولة الإمارات كل عام، في نسخة السنة الماضية، خريطة تظهر إعادة ضم خور العديد الى إمارة ابوظبي، وتمديد الحدود في منطقة الربع الخالي، بحيث تأخذ الإمارات ما نسبته 80 في المئة من حقل الشيبة النفطي.
ولاحظ متابعون لهذا الملف أن دولة الامارات قررت تعديل الخرائط الرسمية المتعلقة بالحدود، بحيث تؤكد ما تراه حقها في الخور وحقل الشيبة حسب التسمية السعودية، وزرارة حسب التسمية الإماراتية. كما أظهرت الخريطة تواصل الحدود البرية بين قطر وأبو ظبي، الأمر الذي يحدث للمرة الأولى منذ ثلاثين عاماً على الأقل. وتعكس هذه الخطوة إصرار حكومة دولة الإمارات على تثبيت الحدود رسمياً، وفرضها أمراً واقعاً، وقطع الطريق على أي مساومات أو وساطات في المستقبل. وقد ردّت السعودية في صيف 2009 بعرقلة حركة المرور البري بين البلدين، حيث بقيت مئات الشاحنات العابرة للأراضي السعودية تنتظر لأيام في قيظ شهر آب، كما أنها استمرت في عرقلة مشروع الجسر بين الإمارات وقطر، الذي اعترضت عليه رسمياً سنة 2005 بحجة أنه سوف يمرّ في أراضيها.
لكن هذه الضغوط لم تثمر في تليين موقف الإمارات، التي ألّفت في نهاية السنة الماضية مجلساً خاصاً للحدود يتولاه ولي عهد إمارة ابوظبي، رئيس الأركان، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي عهدت إليه رئاسة اللجنة الحدودية المكلفة بالنزاعات الحدودية مع المملكة العربية السعودية، التي تضم حالياً وزير الداخلية الشيخ سيف بن زايد. وقد استندت الإمارات في مطالبها إلى نقطة جوهرية هي أن المجلس الوطني الاتحادي لم يصادق رسمياً على اتفاقية جدة حتى الآن، رغم أن السعودية سجّلت الاتفاقية لدى الامم المتحدة.
وشهد الخلاف الحدودي في العامين الماضيين توترات متفاوتة الحجم، فتارة يقتصر على القنوات السرية، مع توافق ضمني على إبقاء الخلاف في حدود تلك القنوات، وتارة أخرى يتسرب الى الأروقة السياسية مع قدر قليل من العلنية، وتارة ثالثة يتفجّر بغتة مطلقاً العنان لطرفي النزاع في البوح بمواقف متشددة، وتارة رابعة يترجم الخلاف الى مواجهات عسكرية، على غرار ما حدث في آذار الماضي، حين تعرض زورق سعودي لهجوم زورقين إماراتيين، واحتجز فردان من حرس الحدود السعودي سلّما إلى سفارة بلادهما في أبوظبي. وتحدثت مواقع إلكترونية سعودية عن الحادث، قائلة إنه حصل في المياه الإقليمية السعودية، في منفذ «أبو قميص» الواقع على بعد 60 كيلومتراً عن منفذ سلوى على الحدود السعودية ـــــ القطرية. وقالت مصادر إماراتية إن الزورق السعودي كان في المياه الاقليمية لخور العديد، الذي تصرّ دولة الإمارات على أنه امتداد لأراضيها ومياهها الإقليمية. وعلى أثر ذلك كثّف المسؤولون السعوديون زياراتهم للإمارات، وخصوصاً ولي العهد الامير


فرضت السعودية على الإمارات اتفاقية مجحفة عام 1974 وقطعت التواصل الجغرافي بين أبو ظبي وقطر

سلطان، ووزير الداخلية الأمير نايف. وتركّزت الزيارات على إقناع الإمارات بإزالة الأراضي المتنازع عليها من خريطة البلاد.
وانعكس الخلاف في واضحاً على سير الاتفاقات الخليجية الأخرى، وخصوصاً في الميدان الاقتصادي، بعدما انسحبت الإمارات رسمياً من العملة الخليجية الموحدة، كما سجلت معارضتها لاختيار الرياض مقراً للمصرف المركزي الخليجي. ورغم ذلك لم تعر السعودية الموقف الإماراتي اهتماماً، وسارت في ترتيبات إقرار العملة الخليجية الموحدة، رغم انسحاب الإمارات وسلطنة عمان من المشروع.
ورغم التكتم الشديد، خرج الخلاف السعودي ـــــ الإماراتي إلى العلن، وانتقل الى صفحات الصحف، في دلالة على جديّة المسعى الإماراتي في تصويب الاتفاقات السابقة. ورأى المحلل السياسي الإماراتي عبد الخالق عبد الله «أن الاتفاقية التي وقّعتها الدولة في عام 1974 كانت لها ظروفها الاستثنائية، ووقعت بعد ضغوط سعودية كبيرة، أبرز مظاهرها الامتناع عن إرسال سفير سعودي إلى أبو ظبي، قبل توقيع الاتفاقية».
وأضاف عبد الله أن «الخلاف الحدودي مع السعودية كان ينبغي أن يحل بطريقة ودية وفي إطار العلاقات الثنائية والأخوية، خصوصاً في هذا التوقيت الذي ظهرت فيه السعودية كأنها تعاقب الإمارات على موقفها من اتفاقية العملة الموحدة». ودعا إلى «موقف إماراتي حاسم في هذا الإطار، وإصدار بيان رسمي يؤكد أن الإمارات ليست بصدد افتعال مشكلات، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل لغة الإملاءات والأوامر».
هذا الخلاف مرشح لأن يلقي بثقله على قمة مجلس التعاون التي تنعقد اليوم في ابو ظبي، لكن الإشارات تؤكد أن السعودية ليست في وارد قبول مراجعة المسألة، ولا سيما أن وضعها الداخلي يمر بحال ارتباك شديد يتعلق بترتيبات الخلافة، في ظل مرض الملك عبد الله وسفره للعلاج، وعجز ولي العهد الامير سلطان عن ممارسة مهماته، الأمر الذي أتاح للأمير نايف تصدّر المشهد، وهو معروف بتشدده في ملف الحدود مع الإمارات، التي تبدو ماضية في استعادة حقوقها.


العملة والعودة المؤجّلة

رغم الانسحاب الإماراتي من مشروع العملة الموحدة، إلا أن أبو ظبي أبقت الباب موارباً للعودة. ونقلت صحيفة «الاقتصادية» السعودية أمس عن وزير الاقتصاد الإماراتي سلطان بن سعيد المنصوري (الصورة) قوله إن بلاده «تأمل أن تعود يوماً هي وسلطنة عمان إلى مشروع العملة الخليجية الموحدة» المزمع.
وأضاف «الإمارات لا تزال تتطلع إلى أن تكون هناك في يوم من الأيام عملة موحدة لدول مجلس التعاون الخليجي».
وقال المنصوري إن الهدف هو التوصل إلى اتفاق بين جميع دول مجلس التعاون الخليجي، مضيفاً أن قمة المجلس اليوم ستناقش الموضوع. وأضاف «نحن في الإمارات نعدّ مصيرنا في الخليج مشتركاً سواء كان اقتصادياً أو سياسياً أو اجتماعياً».
وكانت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي قد قالت في أيار الماضي إن من المستبعد تدشين العملة الموحدة عام 2015، بعدما كان من المقرر إطلاقها في 2010.
(أ ف ب)