لقاء جنيف يفتح باب «المصالحة»... وتوقّعات بعودة الوساطة مع سوريا


أنقرة ــ عائشة كربات
تسارعت التطورات على خط أنقرة ـــــ تل أبيب منذ اندلعت حرائق جبل الكرمل شمال فلسطين المحتلة. أرسلت السلطات التركية طائرات النجدة، من دون أن يُطلَب منها ذلك، إلى المكان المنكوب، بأمر مباشر من رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، فنظرت الدولة العبرية إلى هذه الخطوة بشكر كبير. ولم تمرّ ساعات حتى أُعلنت، يوم أول من أمس، مفاوضات استضافتها مدينة جنيف السويسرية بين وفدين من البلدين، ترأسهما من الطرف التركي نائب أمين سر وزارة الخارجية التركية، السفير فريدون سينيرلي أوغلو، بينما تكفل المبعوث الإسرائيلي لدى لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في جريمة «أسطول الحرية»، يوسف سيشان عوفر، بترؤس الوفد الإسرائيلي.
هكذا أطفأ حريق الكرمل النار التي كانت لا تزال مشتعلة في العلاقات التركية ـــــ الإسرائيلية منذ عدوان «الرصاص المصهور» على قطاع غزّة، وخصوصاً منذ 31 أيار الماضي، تاريخ جريمة البحر.
ويُجمع المراقبون على أنّ «دبلوماسية الحرائق» فتحت الباب بالفعل أمام احتمال تحقُّق مصالحة تركية ـــــ إسرائيلية، من دون أن تكون التوقعات شديدة «التفاؤل»، بما أن صيغة الاتفاق المطروح في جنيف من قبل السلطات التركية لا يزال قائماً على مبدأ تلبية الشروط التركية، وفي مقدمتها: الاعتذار عن جريمة الأسطول، والتعويض لذوي الشهداء الأتراك التسعة. شروط يرى المراقبون أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يعارضها تماماً، لكنّ شركاءه في الائتلاف الحكومي، في مقدمتهم وزير خارجيته أفيغدور ليبرمان، لا يوافقون على مناقشتها حتى. وظهر الإصرار التركي على تلبية الشرطين المذكورين في كلام أردوغان، بعد دقائق من الاتصال الهاتفي الذي أجراه معه نتنياهو لشكره على المساعدة التركية لإطفاء الحرائق يوم الجمعة الماضي. حينها قال أردوغان إن «المساعدة لا تعني أن العلاقات ستعود إلى سابق عهدها من دون نيل اعتذار وتعويض إسرائيليين».
غير أنّ أمين السر السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، ألون لئيل، كشف عن احتمال ارتداء التقارب التركي ـــــ الإسرائيلي المستجد مظهراً آخر: عودة الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل. وبحسب الدبلوماسي الإسرائيلي، فإنّ الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها، وبينها عودة الوساطة، من دون أن ينسى الإعراب عن تخوّفه من أن يكون ساسة «الباب الأول» في تركيا كما في إسرائيل غير مستعدّين بعد للخوض في هذا الاحتمال. لكنّ لئيل يشير إلى كيف أن عناوين الصحف العبرية بقيت، حتى اندلاع حرائق الكرمل، سلبية وهجومية للغاية ضد أنقرة، وكيف انقلبت تلك العناوين جذرياً بعد إرسال الطائرات التركية. ووفق الدبلوماسي نفسه، فإن «الفرصة مؤاتية اليوم لكي يخرج عن لقاءات سويسرا بيان يتضمّن، في آن واحد، شُكْراً لتركيا على المساعدة، واعتذاراً عن حادثة أسطول الحرية. لكن لا أتوقع حصول ذلك في القريب العاجل».
وسبب تشاؤم لئيل هو أنه «لو تُترك هذه المسألة للدبلوماسيين، فإنهم قادرون على حلّها. لكنّ تدخُّل السياسيين الرفيعي المستوى سيعقّد الأمور». ويكشف عن أن تل أبيب تشترط على تركيا، في مقابل تقديم اعتذار وتعويض، رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، علماً بأن التقارير تشير إلى قرب انتهاء عهد السفير الإسرائيلي لدى تركيا، غابي ليفي، وأن الحكومة التركية لن توافق على اعتماد سفير جديد لتمثيل الدولة العبرية على أراضيها.
وفي معرض حديثه، يقترح لئيل على حكومته حلاً واقعياً يقوم على أن تسارع تل أبيب إلى مصارحة جمهورها الغاضب من العجز أمام كارثة الحريق الهائل، من خلال القول: «رغم الكارثة، حصل شيء إيجابي. لقد تحسّنت علاقاتنا مع تركيا... والأمر يستحق أن نعتذر».
إضافة إلى ذلك، قد يكون الخيار الإسرائيلي بالتصالح مع تركيا مخرجاً لائقاً إزاء توقف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، إذ إنّ تطبيعاً للعلاقات مع تركيا سيرمي على إسرائيل سيلاً من الإشادات الدولية والأميركية قد تعوّض عن الاستياء من عرقلة المفاوضات مع سلطة محمود عباس على خلفية ملف الاستيطان.
في المقابل، فإنّ لئيِل يكشف عن أنّ أردوغان قد لا يكتفي بنيل اعتذار وتعويض، لأنه «سيطالب إسرائيل بالتزام إضافي، كالإقدام على خطوة معينة على صعيد مسار السلام (السوري ـــــ الإسرائيلي، أو الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي)»، وهو ما يصعب أن توافق عليه حكومة «بيبي». ويجزم هنا بأن تل أبيب لا تريد أي دور تركي في المفاوضات الفلسطينية ـــــ الإسرائيلية، وهي حال السلطة الفلسطينية أيضاً. لكنّ الدبلوماسية التركية الجديدة راغبة في تأدية دور في المسار الفلسطيني، لا أن تكون «الوسيط»، بل أن تكون مسهِّلاً للمفاوضات.