strong>شريكا الحكم في السودان يختلفان على حقوق قبائل المسيرية

تتسارع التطورات في أبيي السودانية الواقعة على الحدود بين شمال البلاد وجنوبها، منذرةً بخروجها عن سيطرة شريكي الحكم في السودان، بعدما انتقل زمام المبادرة، ولو جزئياً، من القادة السياسيّين العاجزين عن احتواء المسألة إلى قبائل المسيرية ودينكا نقوك، الطرفين الأكثر تأثيراً وتأثراً في المنطقة. ويختصر الصراع القائم حول أبيي في جزء منه الصراع بين الشمال والجنوب في ظل عجز القبائل عن تجاوز عبء التاريخ وما حمله من مظالم بحق كل منها. وتحوّلت القبائل، بفعل التدخّلات السياسية، إلى فصائل يقف بعضها في وجه بعض، بعدما كانت قادرة على التغلب على خلافاتها التي لم تكن تتجاوز مسألتي المياه والرعي


جمانة فرحات
يبدو أن صبر قبائل المسيرية ودينكا نقوك، المكونين الرئيسيين لمنطقة آبيي المتنازع عليها، قد نفد. وانتقل الطرفان بعد أشهر من التهديد والوعيد إلى اتخاذ خطوات تنفيذية تستفز الطرف الآخر. أما حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية فلا يزالان عاجزين عن التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة قبل اشتعال النيران من جديد في المنطقة وامتدادها في العمق الشمالي والجنوبي.
فمع تقلص المدة الفاصلة عن الاستفتاء على مصير جنوب السودان، بات في حكم المؤكد استحالة اقامة استفتاء أبيي في موعده في التاسع من الشهر المقبل كما نصّت اتفاقية السلام، لتحديد ما اذا كان سكان المنطقة يريدون أن تحتفظ بوضعها الإداري الخاص في الشمال، أو أن تكون منطقتهم جزءاً من بحر الغزال، أي تنضمّ إلى الجنوب.
استحالة كان للفشل السياسي دوره الرئيسي فيها، بعدما عجزت الأطراف عن التوصل إلى تعريف هوية من يحقّ له التصويت في المنطقة، وفقاً لما نصّ عليه بروتوكول أبيي.
ولئن كانت مشاركة قبيلة الدينكا نقوك مؤكدة، بعدما نص البروتوكول على أن تعرّف المنطقة «على أنها منطقة زعامات دينكا نقوك التسع التي نزحت إلى كردفان عام 1905»، فإن المعضلة تتمثل في هوية «السودانيين الآخرين المقيمين في المنطقة»، الذين أشار إليهم البروتوكول.
وألقى البروتوكول على لجنة استفتاء أبيي مهمة تحديد معايير إقامتهم، ولا سيما أن بعضهم يتخذ من المنطقة مقرّاً للإقامة المؤقتة ومنهم أفراد من قبائل المسيرية. وغالباً ما تتنقل المسيرية مع مواشيها في مواسم الجفاف إلى منطقة «بحر العرب»، حيث تتوافر المياه، وإلى العمق في الجنوب حيث تنتشر المراعي الخصبة.
هذا التنقل اتخذته الحركة الشعبية مبرّراً لرفضها إشراك الرحّل من قبائل المسيرية، ولا سيما أنها ترى في أفرادها امتداداً لحزب المؤتمر الوطني، بعدما شارك العديد منهم في الحرب مع قوات الجيش السوداني في مواجهة الجيش الجنوبي طوال فترة الحرب الأهلية.
مبرر آخر لطالما دفع الحركة الشعبية إلى تبنّي المطالبة بضرورة تمتع أبيي بالحق في تقرير مصيرها، ويعود إلى انحدار عدد كبير من قادة الحركة من المنطقة.
في المقابل، يتمسك حزب المؤتمر الوطني الحاكم بضرورة إشراك المسيرية بوصفها مكوّناً رئيسياً للمنطقة، ولا يرى في ادعاءات الحركة الشعبية سوى محاولة لإقصاء أكبر عدد ممكن من أفراد المسيرية لضمان تصويت المنطقة لمصلحة انضمامها إلى الجنوب.
وعجزت حتى الآن مختلف المبادرات المطروحة عن جعل شريكي الحكم يلتقيان عند نقطة تقاطع مشتركة تجنّب المنطقة عودة فتيل الحرب التي اكتوت بنيرانها أبيي مرات عديدة، كان آخرها قبل عامين عندما شهدت حرباً شرسة دمرت جزءاً كبيراً منها.
ورفضت الحركة الشعبية اقتراحاً سابقاً من المؤتمر الوطني بتحويل أبيي الى منطقة تكامل منزوعة السلاح تتبع للشمال والجنوب معاً في حالتي الوحدة أو الانفصال، مع منح مواطنيها الجنسية المزدوجة وحق ممارسة حقوقهم الدستورية كاملة في الشمال والجنوب في آن واحد.
في المقابل، رفض حزب المؤتمر الوطني اقتراحاً من الحركة الشعبية بضم أبيي إلى الجنوب بقرار إداريّ على أن تمنح حقوق الرعي لقبائل المسيرية، وتحرم بذلك من الحصول على أي حقوق سياسية أو مشاركة في السلطة.
وما بين هذين الخيارين، كان للوساطة الأميركية والأفريقية دورها. وبعدما فشل الموفد الأميركي سكوت غرايشن في إقناع الأطراف بالاتفاق على صيغ متعددة طرحها، بينها منح المسيرية حق التصويت بشرط إثبات إقامتهم في المنطقة على مدى ستة أشهر متتالية، باتت الإدارة الأميركية أقرب إلى تبنّي خيار الحركة الشعبية ضرورة حل مشكلة ابيي بقرار إداري أو تقسيم المنطقة لسبع سنوات فقط، وتنفيذ برامج تنموية في أراضي المسيرية تغني أفرادها بعد هذه المدة عن الحاجة إلى الجنوب.
أما مبعوث الاتحاد الأفريقي، ثابو مبيكي، فطرح مبادرة من 6 بنود تدور في فلك الأفكار نفسها، مع تركيزه على تبنّي اقتراح مسؤول ملف أبيي في الحزب الحاكم، الدرديري محمد أحمد، القاضي بتقسيم المنطقة إلى جزءين شمالي يؤول للشمال، وآخر جنوبي يتبع للجنوب.
وفي ظل هذه الوقائع، يبدو أن قبائل المسيرية التي ترى نفسها الأكثر تضرراً من احتمالات انضمام أبيي إلى الجنوب، قد شعرت باقتراب الخطر، وبات عليها التحرك باتجاه فرض أمر واقع يمنع أي طرف من تجاوزها، ولا سيما أنها لا تثق بحزب المؤتمر ممثلاً عنها بإمكانه الحفاظ على حقوقها، بعدما شعرت العام الماضي بتعرضها لخداعه عقب صدور قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن أبيي.
وأعاد قرار محكمة العدل ترسيم حدود المنطقة وقلّص مساحتها من 18500 كيلومتر مربع إلى 10 آلاف كيلومتر مربع، لكنه سلب المسيرية، من وجهة نظرها، 56 قرية لمصلحة قبيلة دينكا نقوك، مقابل منح حقول النفط للشمال.
وهو ما دفع المسيرية، في حينه، إلى اتهام المؤتمر الوطني بإضاعة حقوقها والتفريط بها، وبالتالي فإن القبائل غير مستعدة اليوم لتكرار التجربة نفسها.
ومن هذا المنطلق، أقدمت قيادة قبائل المسيرية، أول من أمس، على تعيين حكومة محلية موازية للإدارة المحلية في أبيي. وبرّر ناظر عموم قبائل المسيرية، مختار بايو نمر، الخطوة بأنها أتت ردّ فعل على ما فعله رئيس إدارة أبيي، متهماً الأخير بأنه قام بثلاث خطوات استفزازية. الأولى تمثلت في تعيين «معتمدين في الادارة من دون استشارة أحد، والثانية إعلانه أنه سيجري استفتاء منطقة أبيي منفرداً من دون انتظار أحد، والأمر الثالث أن (قبائل) دينكا نقوك أعلنت أنها، ابتداءً من 30 تشرين الثاني، لن تسمح لأفراد قبائل المسيرية بالمرور عبر أبيي ليصلوا إلى نهر بحر العرب».
في المقابل، أعلنت قبائل دينكا نقوك توجهها لاتخاذ خطوات تسمح لها «بتمكين منطقة أبيي من تقرير مصيرها»، موضحةً أن إعلان قادة قبائل المسيرية تأليف حكومة لإدارة أبيي يُعدّ خرقاً للقانون.
وفي ظل التطورات الميدانية، تقف القيادة السياسة عاجزة عن تقديم أي جديد مكتفيةً بإبداء امتعاضها من التطورات.
وفي وقت أبدت فيه مصادر الحركة الشعبية رفضها لخطوات المسيرية، لا يبدو أن المؤتمر الوطني موافق على ما أقدمت عليه المسيرية. ووصفت مصادره خطوات المسيرية بالأمر الخطير نظراً لما قد يترتب عليه من عواقب.
في المقابل، من غير المرجح أن يوجّه الحزب الحاكم انتقاداً علنيّاً للمسيرية، مفضّلاً التعامل معها بهدوء، من دون أن يعني ذلك قدرة الحزب أو حتى الحركة الشعبية على النجاح في نزع فتيل الانفجار.



النفط عامل ثانوي


تراجع دور النفط بصفته أحد أسباب الصراع حول أبيي، بعدما كان عنواناً أساسيّاً لاهتمام الأطراف السياسية بالمنطقة في المرحلة السابقة.
ويرجع السبب في ذلك إلى تقديرات تشير إلى تراجع حادّ في إنتاج آبار النفط في المنطقة بعدما استُنفد معظمها، فيما أفضل التقديرات تشير إلى عام 2016 موعداً لنضوبها.
لذلك تبقى المياه، بما لها من أهمّية استراتجية للبقاء على قيد الحياة، والأراضي الزراعية الخصبة أبرز ما تسعى إليه الأطراف، على أن تأتي المعادن التي تنتشر في المنطقة، في المرتبة الثانية من حيث الأهمية.
وهو ما دفع أحد قادة قبائل المسيرية إلى تلخيص الآثار المتوقعة على خسارة حقوق المياه والرعي بـ«انقراض» المسيرية، فيما أكد قائد آخر في تصريحات صحافية منفصلة، أن أفراد المسيرية يفضّلون الموت على أن ينتهي بهم الأمر بعيدين عن مهنة الرعي الوحيدة التي يعرفونها.