خلال الجولات السابقة من المفاوضات السياسية لحلّ الازمة اليمنية، شددت «أنصار الله» على البحث عن ردٍّ على سؤال «من سيملأ الفراغ في حال انسحابنا من المحافظات والمدن الجنوبية؟». فبالرغم من تراكم الأحداث الميدانية والسياسية منذ بدء العدوان على اليمن، ظلّ الصراع مع تنظيم «القاعدة» أولوية الحركة، ودافعها الرئيس للتوجه من صنعاء إلى الجنوب، للقضاء على التنظيم المسؤول عن الهجمات الانتحارية والمجازر في العاصمة وفي أنحاء أخرى من البلاد.


طلبت الحركة من المبعوث الدولي، إسماعيل ولد الشيخ، ومن خصومها توضيحات بشأن آليات ما بعد الانسحاب الذي ينصّ عليه قرار مجلس الأمن، وتتمسك به السعودية وفريقها اليمني. من هو بديل الجيش اليمني و»أنصار الله» في الجنوب؟ لم يلقَ هذا السؤال إجابةً، حتى ارتفعت أعلام «القاعدة» فوق المبنى الإداري لميناء المعلا وفي حي التواهي في المدينة الجنوبية.
مصادر يمنية قالت لـ»الأخبار» إن جولة المفاوضات ما قبل الأخيرة، في العاصمة العمانية في مسقط، شهدت تفاهماً بين ممثلي «أنصار الله» وقيادات جنوبية على تشكيل قوة جنوبية تحفظ الأمن بعد انسحاب الجيش و»اللجان الشعبية» من تلك المحافظات. غير أن التسويف والتردد من قبل الجهة الجنوبية، علّق هذه الخطوة، حتى شنت قوات التحالف عملية «السهم الذهبي» في 14 تموز الماضي، سيطرت على إثرها قوات الرئيس الفارّ عبد ربه منصور هادي مسنودةً بقوات إماراتية وأخرى أجنبية على عدن، قبل سقوط قاعدة العند الجوية في لحج، ومن ثم وضع اليد على معظم المحافظات الجنوبية.


«القاعدة» هو القوة الميدانية الأكبر والأكثر فعالية في عدن

ويوم الأحد الماضي، دخل مقاتلو «القاعدة» إلى ميناء عدن وإلى حيّ التواهي الواقع غربي المدينة، رافعين الرايات السوداء على المباني، بعد ثلاثة أيام من تفجيره مجمع حكومي في عدن مستهدفاً مكتب محافظ عدن، نائف البكري، الذي نجا فيما قتل أربعة أشخاص. ونقل عدد من وسائل الإعلام يوم الأحد الماضي، عن سكان في عدن شهادات تفيد بـ»تجوال العشرات من عناصر القاعدة في الشوارع حاملين أسلحتهم بحرّية تامة في عدد من المناطق في التواهي»، فيما أكدوا رفع آخرين راية «القاعدة» فوق مبانٍ حكومية منها المبنى الإداري في الميناء.
قيادة التحالف وحكومة الرئيس الفارّ أصرّتا على إنكار سيطرة التنظيم على المدينة. هي تنفي منذ البداية الدور الكبير الذي يؤديه التنظيم في صفوف الفصائل المسلحة التي تحارب الجيش و»اللجان الشعبية»، وتقلل من نشاطه رغم ظهوره الواضح في الهجمات الجنوبية الأخيرة، ورغم المجازر والإعدامات التي تجاوزت عناصر الجيش و»أنصار الله» في الجنوب، لتستهدف أفراداً من «الحراك الجنوبي». كذلك، أكدت مصادر يمنية جنوبية أن «القاعدة» هو القوة الميدانية الأكبر في عدن، والأكثر فعالية، في ظلّ تشتت الفصائل الأخرى واختلاف خلفياتها وأهدافها.
وكان المتحدث الرسمي باسم الحكومة اليمنية، راجح بادي، قد نفى ما سمّاه «شائعة سيطرة تنظيم القاعدة على ميناء عدن ومدينة التواهي». وأكد في تصريحاتٍ صحفية، أن الميناء والمدينة «تسيطر عليهما المقاومة الشعبية والجيش الوطني المساند للشرعية»، في إشارة إلى المجموعات المسلحة المؤيدة للتحالف ولهادي.
واعتبر أن هذه الشائعة وراءها الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وأنها «آخر أوراقه التي يسعى إلى اللعب بها». ووضعت وسائل إعلام مقربة من التحالف الأنباء عن سيطرة «القاعدة» على ميناء عدن، في خانة «تشويه سمعة الميناء» بغرض تعطيله.
من جهته أيضاً، نفى نائب وزير الداخلية في حكومة هادي، اللواء علي ناصر لخشع، أن يكون هؤلاء من عناصر «القاعدة»، وأكد أنهم «ثلة من المسلحين الخارجين عن القانون الذين لا يشكلون أي خطر على مدينة عدن»، مضيفاً أن «سلوكهم يبين أنهم لا ينتمون إلى القاعدة وأنهم يسعون إلى تحقيق مصالح ضيقة».
إلا أن الإعلام الغربي كان قد أكد هجوم التنظيم وسيطرته في عدن. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن «مسؤول عسكري رفيع مرتبط بالتحالف المناهض للحوثيين»، تأكيده دخول نحو 100 من مقاتلي «القاعدة» إلى التواهي. وفي التقرير الذي نشرته يوم 23 آب، قالت الصحيفة الاميركية إن مقاتلي «القاعدة في اليمن» سيطروا «لفترة وجيزة» على القصر الجمهوري في عدن، قبل أن ينسحبوا فجأة يوم الأحد. وأشارت الصحيفة إلى استفادة التنظيم من الفوضى وسيطرته على أراضٍ في اليمن، أهمها مدينة المكلا مركز محافظة حضرموت، «في الوقت الذي لم يواجه فيه مقاتلوه معارضة من التحالف الذي تقوده السعودية، على الرغم من شنه آلاف الهجمات الجوية ضد الحوثيين وحلفائهم».
من جهتها، أكدت وكالة «فرانس برس»، سيطرة التنظيم على أجزاء في عدن، معللةً ذلك، استناداً إلى آراء خبراء، بـ»الغياب الكامل للدولة في اليمن وبعدم مواجهة السعودية للتنظيم في اليمن، فيما تواصل حملتها على الحوثيين». ولفتت الوكالة في السياق نفسه، إلى أنه «لم يكن خافياً على أحد أن خلايا تابعة للتنظيم المتطرف تنشط في عدن»، وتنشر نقاط تفتيش في مناطق سيطرتها.
في هذا الوقت، بدأ يظهر في الصحف الخليجية، ولا سيما الإماراتية منها، مناخٌ يحذّر من إحراز «القاعدة» المزيد من التقدّم على الأراضي اليمنية، ومن غرق اليمن في «الإرهاب»، الأمر الذي لن يكون انعكاسه محموداً على الدول الخليجية.
(الأخبار)