strong>وائل عبد الفتاح

هل هناك فساد قديم وفساد حديث؟ الوضع المصري خير دليل على ذلك؛ فالفساد متعدد الأشكال، مالي وسياسي وجنائي. والحنين إلى نسخته القديمة بات رائجاً، لعل كمال الشاذلي وتهديدات «القاعدة» خير نموذج لذلك

كمال الشاذلي قائد جيش الموالين



«يا ليتها تعود»، آهات الحنين تزامنت مع ظهور أول صور للوزير كمال الشاذلي بعد اختفاء طويل. الرجل في الصور الجديدة لا يمت بصلة للرجل المنفوخ مثل «ديك رومي» في حظيرة فلاحين.
إنه الباشا الصاعد بقوة وظيفته البيروقراطية، والإقطاعي من دون أصول إقطاعية، والوزير الدائم، والزعيم الأبدي. إنه شخصية فوق تاريخية في منطقته المنوفيّة.
خبرة «نادرة» من الصعب تجهيز بديل لها بين يوم وليلة.
والتصميم الأساسي للنظام السياسي يعتمد على الشاذلي بدرجة لا يمكن تخيلها. يحمي نفسه بملفات جاهزة للجميع. ويدير النواب بمنطق القطيع، يشد ويرخي. وأخيراً هو يعرف خبايا كل موقع في مصر ودهاليزه. لديه خريطة الأنصار ومناطق الضعف. صحيح أنها قديمة لم تعد تصلح كما كانت، لكنها الوحيدة على العموم. وهذا سرّ قوته التي لم يظن أحد أنها ستذهب هكذا فجأة. ذات نهار نجح الحرس الجديد في الحزب الحاكم في إزاحته عن موقع قوته «أمانة التنظيم»، لتذهب إلى الملياردير أحمد عز، المعجزة الذي أدار الموقع نفسه بطريقة أشعلت الحنين إلى أيام كمال الشاذلي.
كمال الشاذلي علامة من علامات عصر مبارك، كان رمزاً لقوة النظام، وهو في كامل صحته وجبروته، مصارع مرعب في حلبة البرلمان، يوقف المعارضين عند حدودهم في عروض مذاعة على الهواء. وعندما ظهرت صورته بعد العودة من رحلة العلاج، أعلن الترشح إلى مجلس الشعب، الذي دخل تحت قبته موسوعة غينيس لأطول فترة نيابة (46 عاماً). وها هو اليوم يتمسك بمقعده، رغم أن جسده راح منه، وبقيت منه إشارة أو ظل، أو شبح يشير إلى قوة غابرة.
هذه صورة النظام أيضاً؟ يمكن أن نرى الصورة بهذه النظرة، وهي شيء آخر غير الشماتة وتصور المرض على أنه عقاب إلهي، أو انتقام فوري، إلى آخر هذه التصورات الكاشفة عن عجز.
كمال الشاذلي الآخر استقبله أهل الدائرة باحتفال ومهرجان حقيقيين. هو عابر للعصور. في خدمة السلطة ما دامت سلطة. ولاء على الطريقة الريفية. تابع وليس سياسياً. بارع في تكوين جيوش الموالين والمرتزقة وفق عقيدة الإيمان برأس النظام وحكمته. إنه القادر على تحقيق المصلحة.
كان يعرف خريطة السيطرة على الأرض عندما كان مسؤول التنظيم في الحزب الحاكم، يعرف تفاصيل «قيادات الشارع»، ومفاتيح الوصول إلى المقاعد البرلمانية. خريطة سرية، جعلته كاهن البرلمان وحامل أختام الوصول إليه. لم يصل أحد إلى البرلمان طوال سيطرته على موقعه، إلا مر من بوابته، عبر صفقة أو اتفاق شفهي، أو ملف مستمسكات يخرج في الوقت اللازم. قيل إنه أوحى إلى علاء الأسواني في عمارة يعقوبيان، بشخصية «الفولي» (في الفيلم أدى الدور خالد صالح)، وسيط وسمسار السلطة وجامع ثرواتها من الشوارع والعارف بالأسرار، المسيطر على الشبكات المعقدة بخلطة تعلمها من كهنة العصور المتعاقبة، الذين التقطوه كنموذج ما بعد الملكية، حين كانت الثورة تحتاج إلى كوادر من نوع مختلف عن سياسيين ما قبل الثورة (الباشوات والأفندية وملاك الأراضي وغيرهم من نماذج السياسة في العصر الملكي).
قال الشاذلي، عندما أبعد من الوزارة، إن الرئيس رأى أنه يحتاج إليه في المجالس القومية المتخصصة. وهذا يعني انه يريد أن يحدث فيها تطويراً (وهو كلام قاله من قبل صفوت الشريف عندما أبعد عن وزارة الإعلام التي ظل على رأسها 22 عاماً).
«أنا تحت أمر الرئيس»، هكذا قال الشاذلي ليبرهن على أنه المنتمي بإخلاص إلى نظام يعتمد على ثقافة التبعية الريفية.
كمال الشاذلي هو رمز يمكن تحليله لمعرفة مسيرة نظام العسكرتاريا من عبد الناصر إلى مبارك.
كتب كمال الشاذلي عن نفسه يوم 6 آذار 1964. كان وقتها في أول أيامه بمجلس الأمة (الاسم القديم لمجلس الشعب). وفي استمارة تعريف تضعها صحيفة «الأهرام» في صدر ملف يضم الأرشيف الصحافي الخاص بها، كتب كمال الشاذلي أنه مولود فى 16 شباط 1934(هو إذاً أصغر ديناصورات الحزب الحاكم: عمره فقط 76 سنة).
محل الميلاد: الباجور (المدينة التي أصبحت شهيرة به في المنوفية، الموطن الأصلى للرئيسين السادات ومبارك، وهو موضع سخرية الشعب المصري الذى يتندر على فكرة أن مصر تحت حكم المنايفة منذ 34 عاماً).
ورغم أنه متخرج، حينها، فقط منذ 7 سنوات في كلية حقوق القاهرة، إلا أنه يشغل منصب مدير مكتب القوى العاملة في منوف، وقبلها كان مفتشاً أول، بل كان أيضاً رئيس المكتب التنفيذي لنادى الباجور الرياضي (والباجور الآن مدينة فيها حمام سباحة على مساحة كبيرة وتتميز بموقع خاص لقصر كمال الشاذلي الذي يستمتع بصوره بأحجام كبيرة ولافتات تأييد له من جاليات الباجور في باريس وقطر والسعودية).
النكتة طبعاً أنه كان يهوى الكرة الطائرة. لكن اللافت إجابة كمال الشاذلي عن سؤال: ما أهم المشروعات والقوانين التي ترى ضرورة المطالبة بها في مجلس الأمة؟
قال: «الارتقاء بالقرية إلى المستوى الحضري من الناحية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية» و«تصنيع الريف لتشغيل الأيدي الزائدة على حاجة الزراعة» و«الحفاظ على مكاسبنا الثورية»، والأهم «تطبيق مبادئ الميثاق الوطني الذي هو دستور العمل الثوري لنحقق أهداف الشعب في الاشتراكية والحرية والوحدة».
بالطبع، تحدث كمال الشاذلي بالحماسة نفسها عن فكرة السوق الحر، بل إنه غيّر بذلة السفاري الشهيرة في أوساط أعضاء الاتحاد الاشتراكي، وأصبحت صوره الشهيرة أقرب إلى أغنياء الانفتاح بالكروش المنفوخة وملامح الثروات المفاجئة.
كمال الشاذلي باختصار «مثقف عضوي»، لكن بكتالوغ لم يعرفه غرامشي.

هكذا تحوّلت صورة الإرهابيين



عادت صورة الإرهابي، كما تعود الصور القديمة كلها. كيف سيكون شكله؟ ماذا سيحمل في يده؟ كيف ستحكي الصورة حكايته؟ هل لا يزال الإرهابي هو العدو الفاتن الذي يدفع روحه ثمن أفكاره؟
عندما نشرت صورة شكري مصطفى عام 1977، كانت صدمة كبيرة. لم يكن نجماً من نجوم السينما أو بطلاً من ابطال حرب تشرين الاول. ولا حتى رجل سياسة من النموذج الجديد الذي استبدل به الرئيس السادات الطواقم القديمة من رجال عبد الناصر. كذلك فإنه لم يكن مجرماً من نجوم صفحات الجريمة في الصحف. كان «بطلاً» من نوع جديد. ملامحه لا تشبه النماذج السابقة. قاتل لكنه لا يشبه القتلة العاديين، وزعيم عصابة لكنها عصابة غير تقليدية. إنه أمير «جماعة المسلمين»، التي أطلقت عليها الصحافة اسم «التكفير والهجرة». نُشرت صورته عقب اغتيال الشيخ الذهبي، وزير الأوقاف وقتذاك، وحُكم عليه مع عدد من أعضاء التنظيم بالإعدام.
ابن موت. هذا ما تقوله نظرة «أمير الجماعة» القادم من زمن مختبئ تحت السطح. ملامحه مخطوفة إلى شيء بعيد، وعلى وجهه حفرت مشاعر غربة من نوع يشبه غربة الريفيين في المدينة أو البدو في قلب الحضارة الحديثة. لا تعطي صورته انطباعاً بالإجرام التقليدي، بل على العكس، توحي بالتعاطف مع شخص يقف على حافة الجنون ويثير التعاطف والخوف في آن واحد.
في المحاكمة، قال شكري مصطفى: «خطتنا أصلاً تقوم على الانسحاب من هذه المجتمعات وقلبها رأساً على عقب إذا صح التعبير، حيث إننا لا نؤمن بسياسة الترقيع، ولا نؤمن بتزيين الجاهلية بالإسلام».
إنه هنا وهناك، في قلب المجتمع وضده. لم يكن شكري مصطفى الأول، لكن صورته كانت الأولى. هو أول صورة غائمة عن أبطال يريدون قلب نظام الحكم والاستيلاء على السلطة، لا لكي يحكموا فقط، لكن لينشروا الدعوة ويحققوا المجتمع الإسلامي. تلك الفكرة القنبلة، أطلقها سيد قطب مستثيراً كل جروح العجز في «المستضعفين» ونافخاً في مشاعر الاضطهاد عندهم. هو «الصورة النقية» لنبي التطرف الذي دفع حياته ثمناً لأفكاره، وحوّل ألمه الذاتي في سجون عبد الناصر إلى خطاب متكامل، ووجدت مرجعيتها في أفكار أبي الأعلى المودودي في الهند. صورة محفورة بخليط الاضطهاد والتضحية ودفع الثمن والاغتراب عن الواقع.
صور قديمة مستوحاة من القصص الدينية، تعتمد في شحناتها العاطفية على رصيد أبطال الدعوة الإسلامية الأولى، كما صورتهم السينما المصرية.
هل لا يزال في الإرهاب فتنة للضعفاء والعاجزين، فتنة يرونها أحياناً بديل قدراتهم على مواجهة قوى غاشمة؟ كيف ستكون صورة الإرهابي الذي يذبح على الشاشات ويهدد باستهداف المسيحيين؟ الوجوه اختفت تحت الأقنعة السوداء، لم تعد الألفة موجودة، انسحبت روح ما، كيف ستكون صورة الإرهابي عندما يصل القاهرة؟ عن ماذا سيكشف القناع؟

«قنبلة دخان» لغسل السمعة



إنها الحرب، أو الحروب الوهمية، تنطلق من شائعة صغيرة، تتحول إلى حقيقة كبيرة، ومنصة اتهام الصحافيين. الصيادون يبحثون عن مغسلة للسمعة أو إعلان للوجود، وهنا تتحد قوات خاصة لصنع هذا النوع من الحروب.
الصيادون لا يملكون سوى غريزة الكراهية، وجهل يجعلهم يحملون سلاحاً لا يعرفون أبعاده، ويستخدمون بشكل غير واعٍ لصنع قنابل دخان، تحرق الأعين، وتضيق بها الصدور، وتصيب جهاز المناعة في مقتل.
وهذا ما حدث في معركة غريبة بدأت بهجوم من بعض الصحافيين على مهرجان أبو ظبي السينمائي، واتهامه بالتطبيع، لماذا؟ لأنه استضاف مخرجة إيرلندية تحمل جنسية إسرائيلية؟ هل هذه معركة كبرى؟ هل تصاغر الصراع مع إسرائيل إلى هذا الحجم؟ هل أصبح التطبيع أداة لتصفية حسابات لا تخفي رائحتها؟ الشائعة كانت هدية ثمينة لأشخاص وجدوها فرصة للوجود، يسبق اسم كل منهم لقب «الناقد» ويتاح له اتهام الصحافيين المشاركين بالتواطؤ لإخفاء الجريمة الكبرى. أما ممدوح الليثي، فقد كانت فرصته في غسل تاريخ طويل من الاتهام بالفضائح، والقضايا الأخلاقية والمالية. غسل يتصور أنه سيمحو صورته في الدقائق الخمس الأخيرة.
ولأن هناك من يتحسس أنفه كلما تحدث الليثي في قضية مهمة، فإن قنبلة الدخان تحولت إلى نكتة ثقيلة تتناقلها جلسات الفنانين والمثقفين: «انظروا من يتحدث».
كيف تحولت قضية محترمة إلى فزاعة، لتصفية حسابات شخصية، وإعلان وجود مبتذل؟ كيف يلعب الليثي وصحبته في هذه الحرب الوهمية على قيم كبرى، ويحولها إلى ألعاب مزايدة رخيصة؟ لماذا أصبحت النقابات قبضة في يد أجهزة سرية تستخدمها في حروبها الغامضة، والآن القبضة تتحرك في يد الليثي يصنع بها معركة الغسيل قبل النهاية بقليل.
الجهل أيضاً صوته عالٍ، والمزاج الغوغائي رائج، وهذه كلها أسس لأهداف تخدم خطة «تدمير سمعة الصحافة المصرية».
عملية خطف صحيفة «الدستور» وإزاحة فريقها الصحافي تقلصت إلى معركة تدور حول «المال»، هدفت إلى اختصار المعركة في كل ما يشوّه الصحافيين.
الهجوم على «الدستور» سار باتجاه أنها كانت ضد تقاليد المهنة و«زودتها». وإن صحافييها، وعلى رأسهم إبراهيم عيسى، باعوها من أجل حفنة من المال. وهكذا فإن الصورة العامة التي تهدف إليها قنبلة دخان الليثي وشركاه هي أن الصحافي يبيع موقفه مقابل دعوة في مهرجان. لم يبق إذاً غير تلك الرائحة الغريبة التي تلعب بالعواطف المجروحة بسبب العجز في مواجهة إسرائيل. لعب قاتل لأنه أولاً موجه إلى مقاومة الوجود الإسرائيلي، فاستسهال التهمة وابتذالها يفقدانها معناها، وهذه هي الجريمة الكبرى.