لم يكن تعليق منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) أواخر الشهر الماضي منح جائزة في علوم الحياة تحمل اسم زعيم غينيا الاستوائية، تيودورو أوبيانج نغويما مباسوغو سوى انتكاسة إضافية لجهوده الهادفة إلى تحسين سمعته الدولية، في ظل اتهامات الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان التي تلاحقه منذ حكمه البلاد قبل 31 عاماً.

ويتعرض مباسوغو، الذي يحكم غينيا الاستوائية منذ 1979 عندما أطاح عمه في انقلاب دموي، لاتهامات من قبل منظمات المجتمع المدني بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان في بلد تحول منذ منتصف التسعينيات إلى واحد من أكبر البلدان المصدرة للنفط.
ومع استغلال النفط لأغراض تجارية، شهد الاقتصاد في غينيا الاستوائية تحولات أساسية. وبعدما كان يعتمد أساساً على الزراعة وتصدير الأخشاب والكاكاو، انتقل ليصبح من بين أول ثلاثة أكبر مصدري النفط والغاز في أفريقيا.
طفرة لم تستطع الاستفادة منها سوى قلة في بلد يحتل مراتب متدنية في الترتيب العالمي للتنمية البشرية. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يعاني سكان غينيا الاستوائية الذين لا يتجاوز عددهم الـ 700 ألف نسمة تردياً في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وبينما يعيش 75 في المئة من السكان تحت خط الفقر، لا يتعدى العمر المتوقع عند الولادة 46 عاماً، ويموت قرابة الـ 20 في المئة من الأطفال قبل بلوغهم سن الخامسة. ولا يحصل سوى أقل من نصف السكان على مياه شرب نظيفة.
وفي وقت تمكنت فيه البلاد من تحقيق أعلى معدلات نمو في الناتج المحلي للفرد، تراجع عدد الأطفال المسجلين في التعليم الابتدائي من 96.7 في المئة في عام 1991 إلى 69،4 في عام 2007.
وعلى الرغم من حرمان الشعب من مكاسب العائدات النفطية، إلا أن النفط الذي تمكن خلال سنوات قليلة من تحويل البلاد إلى مركز لجذب الاستثمارات الخارجية وتحديداً الأميركية، حرك مطامع الكثيرين للوصول إلى السلطة.
وتأسيساً على ذلك، شهدت البلاد عدداً من المحاولات الانقلابية بهدف إطاحة أحد أكثر حكام أفريقيا بقاءً في منصبه والحاصل على المرتبة الرابعة عشرة في تقويم مجلة «فوربس» لأكثر زعماء العالم دكتاتورية.
محاولات أكثرها إثارة للجدل كانت في عام 2004، والتي عادت تفاصيلها إلى الواجهة قبل أيام مع الإعلان عن انتقال المرتزقة سيمون مان، المتهم بقيادة محاولة الانقلاب للعمل مستشاراً لمباسوغو، بعدما تمكن من إرساء روابط قوية مع آسريه السابقين، بمن فيهم رئيس المحكمة العليا خوسيه أولو اوبوينو الذي كان حتى وقت قريب يتولى منصب النائب العام وتولى إدانة مان.
وتعود تفاصيل القضية إلى آذار 2004، عندما أوقف المسؤول السابق في جهاز الطيران الخاص في مطار هراري في زيمبابوي في أثناء تحضيره لشحن أسلحة في طائرة وصلت من جنوب أفريقيا، على متنها عشرات من المرتزقة اتهموا بمحاولتهم الانضمام إلى مجموعة أخرى لتنفيذ الانقلاب داخل غينيا الاستوائية.
وبعد سنوات من المحاكمة في زيمبابوي، أدين مان في خلالها بجرائم نقل أسلحة من دون ترخيص، وقد سلّم إلى غينيا الاستوائية في عام 2008، حيث حكم عليه بالسجن 34 عاماً بعدما اتهم حصراً بتنظيم مؤامرة إطاحة الرئيس، لا الوقوف وراءها، على اعتبار أن أصابع الاتهام كانت توجه بالأساس لرجل الأعمال اللبناني إيلي خليل، فضلاً عن رواج معلومات تفيد بتورط نجل رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، مارك تاتشر.
اتهامات لا تزال في شقها المرتبط بخليل عالقة أمام القضاء اللبناني، في ظل رفع الأخير دعوى قدح وذم على كل من مباسوغو ومان، فيما أعاد رئيس غينيا الاستوائية منذ عام 2009 تحريك دعواه ضد خليل في لبنان بعد محاولات سابقة، أبرزها كان في عام 2005 قبل أن يصدر القضاء اللبناني في حينه قراراً بحفظ الشكوى لعدم كفاية الدليل.
وفيما تتهم السلطات في غينيا الاستوائية خليل بأنه كان المموّل الرئيسي للمحاولة الانقلابية عبر تقديمه الأموال لمان بهدف مساعدة صديقه المعارض سيفيرو موتو، في مقابل حصول خليل على امتيازات نفطية عند تسلّم موتو السلطة، ينفي أحد المقربين من رجل الأعمال اللبناني الأصل أي تورط للأخير في القضية. ويشير إلى أن رجل الأعمال اللبناني عرّف مان، الذي كان يتولى تأمين الحماية لمنشآت خليل النفطية في أفريقيا، بموتو بعدما طلب الأخير مجموعة من الحراس الشخصيين تتولى تأمين وصوله إلى داخل غينيا الاستوائية فقط.
ويرى المصدر أن ثمن حصول مان على عفو رئاسي مفاجئ في العام الماضي كان الشهادة ضد خليل، في تطابق مع حديث مصادر دبلوماسية العام الماضي عن نجاح مان، الذي أكد بعد إطلاق سراحه أنه كان يعامل «كضيف لا كسجين»، في عقد صفقة سرية مع رئيس غينيا الاستوائية، في مقابل توريط آخرين من بينهم خليل وتاتشر.
وفيما يرى البعض أن وجود مان إلى جانب رئيس غينيا الاستوائية أمر مجدٍ في ظل التهديدات الدائمة لنظام الأخير، فإن الثمن وراء إطلاق سراح المرتزقة البريطاني مرتبط في نظر آخرين بمحاولات رئيس غينيا الاستوائية استخدام العفو عن مان كأداة للمساومة في سعيه للانضمام إلى الكومنولث.
وفي السياق، أبلغ مصدر مطلع على تحركات مباسوغو صحيفة «ديلي ميل» في شهر تموز الماضي، أن رئيس غينيا الاستوائية بدأ بالفعل استخدام مختلف أصدقائه الذين تربطهم صلات طيبة بنظامه، سواء في نيويورك وواشنطن ولندن ليروّجوا أمام دول الكومنولث الرئيسية أن «الإفراج عن مان يظهر مباسوغو بأنه متحضّر جداً».
وينطلق مباسوغو في تحركاته من قناعة متوافرة لديه بأن الانضمام إلى المنظمة هو قرار سياسي أكثر من ارتباطه بالوفاء بالتزامات دولية محددة في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، معوّلاً في ذلك على نفط بلاده الذي يرى أن بإمكانه التعويض عن اعتماد العديد من دول المنظمة على النفط السعودي، ومتسلحاً بتجربة راوندا التي قبلت في المنظمة على الرغم من سجلها في حقوق الإنسان.

(الأخبار)