ريف دمشق | لم يكن الاحتقان ضد الحالة التي رسخها «جيش الإسلام» في الغوطة الشرقية سبباً وحيداً في تصاعد موجة الاحتجاجات، أو بالأحرى «لم يكن جيش الإسلام هو الفصيل الوحيد الذي قوبل بالتظاهرات... فقد شمل رفض سكان الغوطة الشرقية جميع الفصائل المسلحة»، يقول الناشط مازن، وهو أحد سكان بلدة كفر بطنا. ويجمل في حديث مع «الأخبار» أسباب الاحتجاجات التي خرجت «رفضاً لاحتكار السلع الأساسية، وحصرية توزيعها بأيدي الفصائل العسكرية، وتزايد الاعتقالات وارتفاع أعداد الضحايا الناتج من تلطّي بعض التشكيلات العسكرية داخل المناطق المأهولة بالمدنيين، فضلاً عن الحالة العامة التي باتت ترى في استمرار الصراع تكلفةً عالية لم تعد قادرة على دفعها».


خلال السنتين الأولى والثانية من الحرب، عاش أكثرية سكان الغوطة الشرقية حالة سكون نسبي إزاء ممارسات وتجاوزات الفصائل المعارضة. ويعود ذلك، حسب مصادر محلية، إلى أن شدَّ عصب الناس كان لا يزال فاعلاً وقوياً، إذ كان الحراك في سنواته الأولى، ومالَ السكان إلى تبرير «الأخطاء الفردية» التي ترافق كل حالة جديدة.
سنتان إضافيتان من الحرب كفلتا تغيير مزاج الناس كلياً. «مع السيطرة المطلقة لبعض الفصائل على مناطق بأكملها، لم يعد مفهوماً بالنسبة إلى السكان أن ترتفع الأسعار بشكلٍ جنوني، وأن يُعاد اعتقال شبابهم من جديد، لكن هذه المرة على يد من يدّعي الثورية»، يروي خالد، أحد النازحين من الغوطة الشرقية والطالب الجامعي في كلية الهندسة الميكانيكية في دمشق. ويذكِّر بحادثة آل الزند الشهيرة في كفر بطنا: «ثلاثة أبناء من عائلة الزند فقدهم والدهم، الأول معتقل لدى النظام ولم يعرف عنه شيء منذ اعتقاله قبل سنتين، والثاني قضى خلال إحدى معارك الغوطة، أما الثالث فهرب من سجن التوبة التابع لجيش الإسلام، وغادر البلاد لاجئاً إلى إحدى الدول الأوروبية، فيما توفيت والدتهم حزناً على مصرع ابنها».
أمام هذه الحالة وشبيهاتها، وجد سكان الغوطة أنفسهم محكومين بالعودة إلى الشارع، لكن أصواتهم علت هذه المرة ضد كل من تاجر بهم، فصوّبت الهتافات سهامها ضد الجميع بلا استثناء. وفيما ركزت تظاهرات زملكا وحرستا وعربين حراكها ضد سلوك وممارسات «القيادة الموحدة في الغوطة الشرقية»، وجدت المناطق غير الخاضعة لـ«جيش الإسلام» بشكلٍ مباشر، ككفر بطنا وحزة وحمورية وجسرين، هامشاً أوسع للتعبير عن رفضها للحالة السائدة في الغوطة الشرقية عموماً.
«في البداية، وقفت جبهة النصرة مدهوشة أمام هذه التظاهرات، ولم تفصح عن موقفها أبداً»، يقول أحد الناشطين في جمعية «غراس». ويضيف: «ثم بدأ تحرك النصرة يظهر جلياً، وتبين أنها اختارت الركوب على موجة الاحتجاجات»، فما إن تخرج إحدى المظاهرات في كفر بطنا، حتى يظهر «نسر الغوطة» مقتحماً مع مجموعة من «الهتيفة والمصفقين».
«نسر الغوطة» معروف في أوساط البلدة. شاب في العقد الثاني من عمره، ينطلق صراخه عالياً منذ اللحظة التي يدخل فيها إلى التظاهرة. حركات يديه وتعابير جسده تمحو هامش المناورة أمام معظم من لا يتفق مع الشعارات التي يهتف بها، فيما ينعكس حضوره بانقلاب كامل في طبيعة الهتافات المطروحة، فتدفن الشعارات المنددة بالغلاء وتجاوزات الفصائل، وتحل محلها هتافات موجهة ضد «جيش الإسلام» فقط. هذا ما حدا بالكثير من أهالي البلدة إلى إطلاق لقب «شبيح النصرة» على «نسر الغوطة». لماذا لا يقوى أحد على مواجهة تحكّم «النصرة» في التظاهرات من خلال «نسرها»؟ يجيب أحد الناشطين: «جرَّب أحدهم ذلك في أحد الأيام، فانتهت به الحال محكوماً بالسجن بتهمة مخالفة ما اتفقت عليه الأمة، وآخر قيل إنه جُلِد بعد هجومه على النسر... لذلك بات الناس يفضّون تظاهراتهم بأنفسهم بمجرد وصول النسر وجماعته». وأسوأ ما في الأمر، بحسب الناشط ذاته، أن «النصرة قد خلقت نظاماً ضمنت من خلاله حصرية التصوير بيدها، فقبل وصول النسر، يقمع بعض من زرعتهم النصرة في التظاهرات محاولات التصوير، وبعد دخول النسر، يصبح التصوير مسموحاً للجميع».