القاهرة | تصل أم محمود، السيدة الأربعينية، شاحبة الوجه من إحدى قرى الريف القريب إلى منطقة المنيب في الجيزة، لتستقل، كما عادتها، أوتوبيس (حافلة) هيئة النقل العام الرقم 107 المتجه إلى منطقة العتبة، حيث ستشتري بعض المستلزمات المدرسية لأطفالها، لكنها تفاجأ بأن الأوتوبيس لم يعد موجوداً، وقد تغير رقمه بعدما وضع الرقم الجديد على الأوتوبيسات الزرقاء اللون، المدوّنة عليها عبارة «منحة من الإمارات».


تفرح السيدة الأربعينية التي اصطحبت معها أطفالها الصغار، بالجلوس في الأوتوبيس الجديد الذي يبدو أفضل حالا من القديم ومقاعده حديثة، لكنها تصطدم بأجرة السيارة المضاعفة من جنيه إلى جنيهين للفرد الواحد، وذلك عندما يبلغها المحصّل أن أسعار الأوتوبيسات الزرقاء الحديثة أُجرتها موحدة.
وخلال الشهور الماضية، عمدت «هيئة النقل العام» إلى تحديث أسطولها البالغ نحو ألفي سيارة، بـ950 سيارة حديثة مقابل إخراج نصف سيارات الأسطول من الخدمة، نظراً إلى تهالكها، وخاصة أن جزءا كبيرا منها مر على تصنيعه أكثر من 30 عاماً.
وحصلت الهيئة على منحة إماراتية لتوريد 600 أوتوبيس بتكلفة 550 مليون جنيه (100 دولار = 773 جنيهاً)، بينما اشترت الهيئة 350 آخر بتمويل حكومي من ميزانية الخطة العاجلة وبنك الاستثمار القومي بإشراف من القوات المسلحة، ولكن طُرحت الأوتوبيسات الجديدة التي دخلت الخدمة على دفعات بأسعار مضاعفة للمواطنين.
ما حدث مع أم محمود في موقف المنيب جرى مع مئات المصريين، الذين اضطروا إلى دفع أجرة المواصلات مضاعفة في أوتوبيسات الهيئة، التي تعد أرخص وسيلة مواصلات في التنقل داخل القاهرة الكبرى. وجاءت الزيادة غير معلنة من الحكومة عبر إنشاء خطوط سير أطول بأجرة مضاعفة قبل تطبيق الأجرة المضاعفة على المسافات القريبة أيضا في جميع الأوتوبيسات الحديثة، وذلك مع إبقاء السيارات القديمة التي تعمل منها نحو 400 سيارة فقط بتعريفة الركوب القديمة، لتصل مدة التقاطر بين الأوتوبيسات الجديدة إلى 15 دقيقة أو أقل، والقديمة إلى أكثر من ساعة.
يقول رئيس «النقابة المستقلة للعاملين في هيئة النقل العام»، علي فتوح، لـ«الأخبار» إن السائقين والمحصلين استفادوا من الزيادة الجديدة في أسعار التذاكر بسبب ارتفاع النسبة التي يحصلون عليها من التذاكر المقطوعة، لتصل إلى 13% في السيارات الجديدة بدلاً من 10% في القديمة. ويشير إلى أن بعض المواطنين يفضلون انتظار السيارات الأرخص، وخاصة للمسافات القريبة.


الزيادة كانت تدريجية وغير
معلنة تماماً كما كانت تفعل حكومات مبارك

ويضيف فتوح أن هيئة النقل العام عليها تقسيم التذكرة لتكون مرتبطة بالمسافة التي يقطعها الراكب داخل الأوتوبيس، لا اعتماد تعريفة موحدة وخاصة في الخطوط الطويلة. ويلفت إلى أن العاملين لم يجر إبلاغهم قرار رفع أسعار التذاكر قبل إقراره.
في المقابل، يدافع رئيس الهيئة، اللواء رزق علي، عن قرار زيادة أسعار الأوتوبيسات، مؤكداً أن الزيادة جاءت في السيارات ذات الخطوط الطويلة فقط، لا على الخطوط القديمة التي تعمل بانتظام. ويشرح أن هذا الأمر يتضح من أرقام السيارات التي لم تكن متوافرة من قبل.
يضيف علي لـ«الأخبار» أن السيارات الجديدة جعلت المواطن لا ينتظر طويلا، مشيراً إلى أن الهدف مما تقدمه الهيئة حالياً هو تحديث أسطولها بما لا يجعل السيارات تعطل بالمواطنين خلال سيرها كما كان يحدث من قبل.
مسؤول سابق في الهيئة قال لـ«الأخبار» إن الحكومة لم تعد قادرة على تحمّل فاتورة خسائر الهيئة التي تجاوزت 2.4 مليار جنيه (متمثلة في ديون لعدة هيئات أبرزها بنك الاستثمار القومي)، فضلاً عن عجز الحكومة عن توفير المبالغ المالية لتشغيل الهيئة التي تزايدت كثيرا بعد «الثورة» مقابل ثبات العائد تقريباً.
ويضيف أن ما حدث يمثل جزءا من عملية الرفع التدريجي للدعم حتى يقل ما تحصل عليه الهيئة من الحكومة، في مقابل مضاعفة العائدات. ويشير المسؤول السابق إلى أن رئيس الوزراء، المهندس إبراهيم محلب، وافق على القرار وجرى تطبيقه تدريجياً، لذا لم يشعر به المواطنون فجأة، الأمر الذي جنب الهيئة أي غضب شعبي متوقع قد يدفع الحكومة إلى تعديل القرار، وهو الأسلوب نفسه الذي اتبعته حكومة نظام الرئيس حسني مبارك في عام 2008، عندما أرادت مضاعفة أسعار التذاكر.
ويشير، أيضاً، إلى أن تكلفة الرحلة الفعلية لسيارات «هيئة النقل العام» أكثر من جنيهين، لكن «لا يمكن تحميل التكلفة الفعلية للمواطنين وخاصة أن مستقليها غالبيتهم من موظفي الحكومة ومحدودو الدخل»، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن قرار زيادة أسعار المواصلات «قرار سيادي لا يمكن تطبيقه دون موافقة كبار قادة الدولة».