تكتسب معارك مدينة مارع في ريف حلب الشمالي أهمية خاصّة لا تقتصر على الموقع الاستراتيجي للمدينة. التزامن اللافت بين تجدّد محاولات تنظيم «الدولة الإسلاميّة» السيطرة على المدينة، ونشره إصداراً جديداً بعنوان «ولاية حلب: عام على القصف» ليس اعتباطيّاً. ففي حين يحاول الإصدار إبراز «صمود دولة الخلافة في وجه غارات التحالف الصليبي»، تأتي معركة مارع لإثبات أن التنظيم قادر على «التمدّد» أيضاً، رغم القصف.


ومن المعروف أن المعارك التي يخوضها «داعش» ضدّ المجموعات المسلّحة لا تنفصل وفق أدبيّاته عن «محاربة الصليبيين»، إذ يوصّف التنظيم المجموعات المسلّحة بـ«الصحوات»، و«عملاء ووكلاء الصليبيين». ومن المهم الإشارة إلى أن تنظيم «الدولة الإسلاميّة» يعدّ مارع «جزءاً سليباً من أرض الخلافة». وهو قد اضطرّ إلى الانسحاب من محيطها، وتسليم مقارّه داخلها مطلع العام الماضي تحت ضغط المعارك العنيفة التي شنّتها ضدّه «جبهة النصرة» وحلفاؤها (كانوا ينتظمون حينذاك في كيانين أساسيين: «جيش المجاهدين»، و«الجبهة الإسلاميّة»)، شأنها في ذلك شأن مدينة أعزاز وبعض مناطق الريف الشمالي. ضمن هذا الإطار، يبرز العامل الانتقامي الذي عُرف تنظيم «داعش» بحرصه على تحقيقه ولو بعد حين، بوصفه إجراءً أساسيّاً على طريق «الحفاظ على هيبة دولة الخلافة». وتحظى المدينة بأهميّة «رمزيّة» خاصة، سواء بالنسبة إلى «داعش» أو خصومه الذين يعدّون مارع «عاصمة الثورة في الشمال». العامل الاستراتيجي المهم يحضر بقوّة أيضاً في حسابات الطرفين، إذ تُعتبر المدينة نقطة انطلاق محتملة نحو جهاتٍ عدّة: جنوباً نحو مدينة حلب، وإلى الجنوب الغربي نحو الزهراء مروراً بكفرنايا، وغرباً نحو تل رفعت فعفرين، وإلى الشمال الغربي نحو أعزاز وباب السلامة.


تنظيم «الدولة» يعدّ مارع «جزءاً سليباً من أرض الخلافة»


ومنذ منتصف الشهر الجاري، بدا أنّ طريق تنظيم «الدّولة الإسلاميّة» إلى مارع أصبحَ أقصر، بعد سيطرته على قرية تلالين (شمال مارع). وتكمن أهمية القرية في ارتفاعها الذي يتيح وضع قرية الشيخ عيسى (وهي نقطة وصل إجبارية على طريق مارع ــ تل رفعت) تحت السيطرة الناريّة، ما يعني بالتالي قطع شريان إمداد مهم بالنسبة إلى المجموعات المسلّحة المشاركة في صد هجوم «داعش» على مارع حاليّاً، التي بدأ التنظيم خلال اليومين الأخيرين عملية تطويق لها، استكمالاً لمخطط السيطرة. ووفقاً لمصادر التنظيم، فقد تحرّكت قواته عبر محورين أساسيين: أولّهما دلحة وحرجلة على الشريط الحدودي، وثانيهما مارع ومحيطها، حيث هاجم «انغماسيون» بلدة دلحة، وسيطروا عليها بسهولة، ليتابع «انغماسيّو داعش» تقدمهم في اتجاه حور كلس، قبل أن يلتفوا نحو حرجلة، حيث انضمت إليهم قواتٌ إضافيّة. ووفقاً للمصادر، فقد «تمت السيطرة على البلدة لساعات وتمشيطها، ومن ثم الانسحاب منها على وقع تدخل طائرات التحالف الصليبي التركي». وبالتزامن، كان «جنود الخلافة يستعدون للغزوة الأكبر على تخوم مارع، حيث سقطت حربل وصندف وخربة». وهي سيطرة ترسم قوساً من ثلاث جهات حول المدينة التي تقدّم «داعش» إلى أطرافها، ونفّذ عمليات انتحاريّة داخلها، قبل أن يضطرّ إلى التراجع، الأمر الذي عزته مصادر التنظيم إلى شنّ «طيران التحالف» غارتين استهدفتا تمركزاته. واستغلّت المجموعات المسلّحة الفرصة للقيام بهجوم معاكس بغية استعادة قرية صندف، وأفلحت حتى التاسعة من ليل أمس في استرجاع أجزاء كبيرة منها، وسط استمرار الاشتباكات العنيفة بين الطرفين. مصدر محسوب على التنظيم أكّد لـ«الأخبار» أنّ «الوضع في صندف صعب، وذلك بسبب مساندة الطيران الصليبي للصحوات، لكنّ المعارك مستمرّة». وقال المصدر إنّ «معركة صندف هي جزء من المعركة الكبرى، وأيّاً كانت نتيجتها فهي لن تُثني جنود الخلافة عن إعلاء رايتهم في معقل الصحوات (مارع)». في المقابل، قال مصدر من «حركة أحرار الشام الإسلاميّة» إنّ «الأمور ستعود إلى نصابها خلال الساعات القليلة القادمة». المصدر أكّد لـ«الأخبار» أنّ المجموعات لن تكتفي باستعادة صندف، بل «سنتابع الزحف حتى دحر الدواعش من كامل المنطقة». ورفض المصدر نفي أو تأكيد مساندة «طيران التحالف»، لكنّه أكّد في الوقت نفسه أن «الموقف الشرعي للأحرار واضح، وقد أعلنته رسميّاً، نحن نرحّب بأي تعاون يُفضي إلى إسقاط الخوارج (داعش) والنظام».