سطع نجم الطيب أردوغان من باب تبنيه مواقف متضامنة متقدمة، عن زعماء عرب، حيال القضية الفلسطينية والعدوان على غزة، فدخل قلوب الفلسطينيين، معيداً بذلك الاعتبار إلى دور تركي قديم في المنطقة. لكن «الطيب»، لم يدخل مخيماتهم خلال زيارته الأخيرة للبنان، فعتبوا عليه


خالد الغربي
عتب أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان على «الطيب» (رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان)، «على قد المحبة»؛ ففلسطينيو لبنان، ولا سيما «الغزازنة»، كانوا يطمعون في لفتة أردوغانية تفضي إلى زيارة مخيم فلسطيني للتعرف إلى «مأساة التشرد أو لمباركة هذه المخيمات»، قالها لـ«الأخبار» كهل من مدينة غزة يقيم في لبنان منذ أربعين عاماً، بينما زوجته مريم شبايطة برأت ساحة أردوغان من «تقصيره»، قائلة: «الدولة اللبنانية منعته من زيارتنا كي لا يرى ظلمها وبطشها بحق مخيماتنا». حسم الزوج النقاش قائلاً: «لا عين تشوف ولا قلب يحزن واللي بيجي لعنّا أهلا وسهلا منستقبلو بقلبنا، واللي ما بحب ييجي مامنجبرو، ولكي يكون أردوغان صادقاً عليه الإبحار عكس التيار وزيارة قطاع غزة المحاصر». منى الخطيب تلميذة فلسطينية حملت قبل أشهر صورة أردوغان وطافت بها في شوارع عين الحلوة. شاركت في استقبال أردوغان في صيدا، «لكنه ما شافني، وما التفت». دعت إلى وضع الأمور في نصابها قائلة: «القادة العرب مش سألانين إن متنا أو عشنا، ليش بدنا نحطها بضهر الزلمي؟». شقيقها محمد قال: «نعم، عاتبون على أردوغان لعدم زيارة عين الحلوة، سفينة مرمرة أبحرت ودم شهداؤها في قلوبنا، بينما مرارة العرب وذوي أهل القربى مرمرت أيامنا». ثم يردف قائلاً: «أردوغان ليس غيفارا، وليس ثائراً. شوية مواقف مشرفة مشكور عليها». ثم تتدخل منى مجدداً للقول: «ليقم بزيارة غزة، وأهلا وسهلا به هناك».

«لو زارنا الأخ رجب لأهديته بندقيتي، وقلت له: إلى فلسطين خذوني»
«هذا سميّك نقدمه لكم عربون تقدير، وبدل الشهداء الأتراك التسعة الذين سقطوا على أيدي الإسرائيليين في أسطول الحرية»، بهذه العبارة قدم والدا الطفل الفلسطيني رجب أردوغان شناعة ابنهما لرئيس وزراء تركيا أثناء زيارته مدينة صيدا. قبّل أردوغان «سميّه»، وقال: «ما شاء الله ما شاء الله، الله يبارك»، على حد ما قالته لـ«الأخبار» الوالدة خديجة خليل إبراهيم، واصفة لحظة اعتلائها وزوجها محمد شناعة منصة الاحتفال لتقديم ابنهما لأردوغان بأنها لحظة تحقيق الحلم، قائلة: «انتابتني مشاعر لا يمكنني وصفها، تهت فيها بين طفلي وأردوغان وفلسطين». خديجة قالت إن تقديم ابنها لم يكن مخططاً له «قررنا الذهاب إلى الاحتفال وألبسنا الصبي علماً تركياً، وتركنا الأمور للصدفة». لكن قبل ساعة من موعد الاحتفال «حصلت المفاجأة» قالت خديجة، والمفاجأة تمثلت باتصال النائبة بهية الحريري بأهل الطفل، طالبة منهم إحضاره لتقديمه إلى أردوغان. لاحظت الوالدة عندما صعدت وزوجها إلى منصة الاحتفال أن الرئيس أردوغان لم يكن على علم بوجود طفل يحمل اسمه، لكن الرئيس سعد الحريري شرح له. ويقول: «عندها استوعب الرئيس أردوغان ما يجري، فخطف الطفل بسرعة وبدأ يقبّله بحرارة، ويتلو الحمدلة والبسملة». تشجعت خديجة وقالت لأردوغان: «لأنك تحب فلسطين سمّينا الطفل على اسمك، وتحيا فلسطين». ورداً على سؤال، أشارت خديجة إلى أنه لم يتصل بها أحد من السفارة التركية حتى الآن، وخاصة لكي تعرف مصير ورقة ولادة طفلها التي أخذوها منها، متوقعة منحه الجنسية التركية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن تسمية الولد «كانت عن اقتناع وتقدير للموقف الداعم، لا بهدف الابتزاز». تضيف: «كل من دعم قضيتنا يستحق التقدير»، مشيرة إلى أنها وزوجها سمّيا، إضافة إلى أردوغان ولداً باسم عز الدين القسام وآخر باسم حسن نصر الله. ثلاثة أولاد من خمسة سُمّوا بأسماء من يستحقون الثناء، متمنية «إنجاب طفلة لنسميها غزة».
لكن إن زارهم، فكيف كان هؤلاء يستقبلون الطيب؟ «عين الحلوة بتنادي أردوغان أغلى حبابي»، بهذا كان سيستقبله أبناء المخيم إن «فاجأنا بزيارة ولو خاطفة» على حد قول بعضهم. لكن ماذا كان يخبئ الفلسطينيون في «أجندتهم» من «طلبات وأمنيات» لرئيس الوزراء التركي في «موعد لم يحصل مع الرئيس على أرض المخيمات ولا في مكان إقامته في لبنان»؟ محمود عوض الذي وصل من السعودية بعدما أدى فريضة الحج في اليوم ذاته الذي زار فيه أردوغان مدينة صيدا قال: «كنت سأسقيه من ماء زمزم وأنصحه بالاستمرار في مواقفه الرافضة للعدوان، وثانياً سأقول له: سيد أردوغان هل باستطاعتك أن تأخذني إلى بلادي؟». أما أبو الفتح، وهو مقاتل فلسطيني كان يحرس مكتباً عسكرياً داخل المخيم، فقال: «لو زارنا الأخ رجب لأهديته بندقيتي، وقلت له: إلى فلسطين خذوني»، بينما قال رفيقه: «بودي أن أقول له كلمتين: عمي رجب شوف شو بتقدر تعمل لتوحيد الضفة وغزة وإعادة اللحمة للفلسطينيين، وحلها مع الدولة اللبنانية كي ترفع ظلمها عن أبناء المخيمات، نحن لسنا بخير طمنا عنك».
«بس أنا مش فاهم ليش بدو يزور أردوغان المخيمات. ما هيي زيارته للبنان ولسعد الحريري، شو فلسطين هون؟»، قالها أبو حميد بائع القهوة المتجول في أزقة عين الحلوة، محمّلاً القيادات الفلسطينية في لبنان مسؤولية عدم الاستفادة من وجود أردوغان في لبنان لتقديم صورة عن معاناة اللاجئين واضطهادهم وعدم منحهم حقوقاً اجتماعية وإنسانية، «ليش نحن عنا مرجعية أو عنا قيادات في المخيمات» قالها بغضب مطقطقاً بفناجينه. جاء أردوغان، ذهب أردوغان، لكن في المخيمات يجزمون بأن الدور التركي عاد بقوة إلى المنطقة، فقط لأن تركيا انحازت إلى فلسطين.


لم يكن رجب طيب أردوغان الصغير هو الدليل الوحيد على موقف الفلسطينيين من رئيس الوزراء التركي والشعب التركي عموماً؛ فثمة الكثير من الأدلة على هذه المحبة. ففي مخيم عين الحلوة مثلاً، سمى الفلسطينيون شارعاً باسم «شارع تركيا»، كذلك اختار بعض أصحاب المحال التجارية تسمية محالهم باسم سفينة مرمرة، على سبيل المثال «دكانة مرمرة». تعددت المسميات، والهدف واحد «تقدير الموقف التركي الذي بدا واضحاً إبان العدوان على غزة، ما اللي بشوفك بعين بتشوفوا بالتنتين»، يقول أبناء المخيم المذكور.