يجاور مخيم برج البراجنة حي الأكراد الذي يقطنه جنباً إلى جنب أكراد وتركمان. العلاقة بين الفلسطينيين وسكان الحي ليست جديدة بل تعود إلى الأيام الأولى للجوء التي اقتسموا منذ بدايتها مشاكلهم الحياتية والأمنية


قاسم س. قاسم
عتبَ أبناء المخيمات على عدم زيارة رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان لمخيماتهم، أو حتى «مروره بالقرب من المخيم الأقرب للمطار»، أي مخيم برج البراجنة، كما فعل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد. لكن عتَب الفلسطينيين هو بالحقيقة على «قد المحبة»، ولو أن العتب لن يفسد في الود الفلسطيني، المؤيد للحكومة التركية الحالية، أي قضية. فبرغم عدم زيارة أردوغان للمخيمات في لبنان، إلا أن سماعهم رئيس الحكومة التركي يعلن أن تركيا لن تسكت إذا شنّت اسرائيل أي هجوم على غزة أو لبنان، أثلج قلوب اللاجئين وطمأنهم الى بقاء النجم التركي على مواقفه. هذا التضامن التركي مع الفلسطينيين انعكس على الأرض. فبالقرب من مخيم البرج، يتواصل الفلسطينيون يومياً ودائماً مع جيرانهم التركمان والأكراد الأتراك. العلاقات بين هؤلاء قديمة قدم اللجوء الفلسطيني الى منطقة برج البراجنة. إذ كانت العلاقات بين الطرفين تشهد حالات صعود وهبوط، ولم تكن المواقف التركية المتحالفة مع الدولة العبرية تؤثر تأثيراً سلبياً كبيراً، كأنها كانت «شيئاً عادياً» من دولة كانت تُعدّ غربية وبعيدة في عقولهم. بعكس التأثير الإيجابي الحالي لمواقف الحكومة التركية الحالية الداعمة للقضية الفلسطينية والمتسللة من هناك إلى قلوب العرب. هكذا، انحصرت علاقة اللاجئين الفلسطينيين والتركمان، وحتى الأكراد الذين يسكنون بالقرب من المخيم، بالهموم الحياتية المشتركة التي تؤثر بالطرفين. بالطبع لم تكن العلاقة الفلسطينية ـــــ التركية ـــــ الكردية على وئام دائم وكانت المشاكل التي تقع بين الأطراف معروفة بوصفها الأكثر دموية في المنطقة، وذلك لأن الجميع كان ينصر «ابن العم ظالماً أو مظلوماً».
ففي أحد الأزقة الملاصقة للمخيم، زقاق لا يتجاوز طوله مئتي متر. هناك، الفلسطينيون على تواصل يومي مع محيطهم التركماني الكردي، ويتبادلون المصالح دائماً، فعندما ينقطع التيار الكهربائي عن المخيم، يسحب الفلسطينيون الكهرباء من حيّ الأكراد، والعكس يحصل عندما تنقطع الكهرباء في حيّ الأكراد. هذا التعاون بين الطرفيّن لا ينسحب على كل شيء، اذ ثمة مشكلة في تلك المنطقة الضائعة بين الغيتوات لجهة تحديد المسؤولية الأمنيّة عنها.
في ذلك الزقاق الذي يقع بين المخيم والشارع الرئيسي لمنطقة برج البراجنة، تجري أغلب عمليات التسلم والتسليم لما طاولته السرقات. فإن سرقت إحدى الدراجات النارية، يختار السارقون أن يعيدوا بيعها لصاحبها في تلك المنطقة. لماذا؟ لأن الدولة اللبنانية ببساطة تعدّها ضمن نطاق مسؤولية مخيم برج البراجنة، أي خارج سلطتها، واللجنة الأمنية بدورها تعدّها خارج نطاق المخيم، لذلك، أقصى ما يفعله عناصر اللجنة الأمنية هو الوقوف في الأزقّة الداخلية للمخيم، لمنع السارقين من الدخول إليه. بالنسبة إلى أحد وجهاء حي الأكراد، الذي رفض الكشف عن اسمه «بسبب الجيرة والعشرة»، فإن ما يجري في الزقاق الذي يسكنه هو «نتيجة عدم دخول القوى الأمنية إلى المنطقة لأنها في الضاحية، إذ طلبنا منهم أن يأتوا مرات عدة لكنهم رفضوا ذلك طالبين منا التوجه إلى القوى المسيطرة على المنطقة، أما حزب الله فيرفض التدخل مباشرة لأن أغلب سكان الحيّ من السنّة وكي لا يتهم بأنه يضيّق عليهم، أما اللجنة الأمنية التابعة للمخيم، فلا تتدخل لأنّ الحيّ خارج حدود المخيم». أما الحل، فـ«بسهر شباب المخيم مع ولاد الحيّ ليراقبوا أي شي غريب بصير بالمنطقة».



أردوغان يجمعهم

برغم الصراع التاريخي بين التركمان والأكراد، وهم من أكراد تركيا بأغلبهم، إلا أن الطرفين يعيشان في حيّ الأكراد حالة وئام تامّ، تنسحب، بدورها، على حسن الجيرة في محيطهما الفلسطيني واللبناني. علاقاتهم مع الفلسطينيين ازدادت قوةً بعد حرب غزة وخلال مؤتمر دافوس الذي شهد «اشتباك بيريز ـــــ أردوغان» الشهير، وذلك عندما تجاوز الفلسطينيون والأكراد والتركمان خلافاتهم «العشائرية» التي كانت تأخذ منحىً دموياً أحياناً، لتعليق صور أردوغان في الأحياء المشتركة بينهما وفي أزقّة المخيم.