شاهد عيان

لم يمرّ كثير من الوقت، بعد ذلك تركت نفسي أنظر إلى هذا الباب بعينين متحدّيتين «كان يجب أن يغلق من أول مرّة، أيلزمني حقاً كل هذا الوقت لإغلاق باب؟»، بقيت هناك أنتظر شيئاً كمن أغلق باباً لا ينبغي إغلاقه، وبالفعل بعد قليل، فتح الرجل الباب وخرج من مكانه سائلاً: ـــــ أتعرف غزّة؟
أجبته: طبعاً أعرفها (قلتها وأنا لا أعرف إذا كان يعني مباني غزة في لبنان أم غزّة غزّة!). سأل: أتعرفها جيداً؟
في هذه الفترة القصيرة بعد السؤال، ازداد تيهي، فاعتمدت على غزة الأصلية ورميت جوابي: أعرفها من الأخبار والصور، كما تعرف فأنا لم أرها أبداً عيناً بعين. قال: حسناً، أتعرف محمد الفلاني؟ قلت: لا أدري. اسمه مألوف، ربما أعرفه. أو ربما أعرف أحد أقاربه. فحتى العائلة هذه كبيرة كما تعرف. قال: «هذا المحمد الفلاني من غزة، كان يعمل مرشداً للسياح. لكنه تاه منذ ستين سنة في الخارج. وكان عمره سنتين اثنتين». لم أفهم جيداً كيف حصل هذا، عمره سنتان... ومرشد سياحي؟ حاولت أن أمنطق الأمور. وحدّثت نفسي: ربما غيّروا اسمه ومزّقوا أوراقه الأصلية في السويد أو النرويج بعدما تبنّته عائلة لطيفة تعيش هناك». لكن الرجل بدا كمن يبحث عن صديق يعرفه جيداً، وسيجده يوماً. واتضح لي يقيناً أنّه سيترك لي فرصة لأبحث معه.
لا أدري ماذا كان يفعل بينما كان يحدّثني، لكن الرجل لم يكن يقصد الخروج لمحادثتي كما ظننت. كان يفعل شيئاً كأن يشرب قليلاً من الماء من خارج غرفته، ثمّ يعود إليها وهو يقول: منذ ستين سنة!