يسعد صباحك يا عكّا


للقدر أحياناً «نهفات» غريبة لا أفهمها. لا أعرف لماذا خلافاً لباقي الأيام، أكون «مصحصحة» مئة في المئة أيام العطل والآحاد بالذات. فأجدني أستيقظ قبل ديك جارنا المعروف بصوته الجعاري، وحتى بدون الحاجة إلى إبقاء منبّه هاتفي المحمول متنبهاً لإيقاظي كل خمس دقائق.
أحاول مرّة أخيرة أن أستردّ نومي، لكن عبثاً أحاول. إذ أشعر بنشاط وحيوية منقطعي النظير. أقرّر بدء يومي بكوب شاي أخضر، أمسك بكتاب كنت قد أزمعت على قراءته. أصعد إلى «السطح»، أبحث عن بقعة أنتظر فيها ريثما تُكمل الشمس استيقاظها. غير أن جارتنا العزيزة وغسيلها المنشور، إلى جانب ألواح الزينكو وأسلاك الكهرباء يحجبون عني رؤية ما بقي من السماء بسلام، لكون ابن «جارنا السابع» غريب الأطوار مهووساً بالتجسس على «العالم» من منظاره!
أقرّر الجلوس مقابل حائط علّقت عليه صورة كبيرة لشاب فلسطيني يحمل علم فلسطين كتب عليها «حق العودة لا يعلى عليه». أغمض عينيّ بارتخاء لتركيز استمتاعي بالهدوء على إيقاع غناء عصافير جارنا الشيخ.
«كيف عم نطالب بالحرية ونحنا ساجنين عصافير؟... ناديا من شان ملكوت السما حِلِّي عنِّي». أطرد جميع أفكاري، أُحكم إغلاق عينيّ هذه المرّة. أنا الآن في حديقة منزلي الخلفية في عكا... أستمتع بهدوء صباح عكاوي معطّر برائحة الياسمين ومريمية مقدسية نابعة من كوب الشاي، فقد عدلت رأيي عن الشاي الأخضر. «يسعد صباحك يا عكا».
على حين غرّة يقفز إلى حضني قطي. أؤنبه، ليس لأنه قطع حبل أفكاري، بل لأنّه «شرّف أخيراً»، لا أدري أين أمضى ليلته. أضعف أمام انكماشه، أعاود احتضانه «ولك شو رح تعمل بكرا بس آخدك معي على عكا... لوين بدك تروح ها؟». لن يكون هناك مشكلة حينها، عليّ أن أتأكد من ميوله الجنسية أولاً وأحضر له قطة فلسطينية «موزّة» أو قطاً ليستكشفا معاً المنطقة!
أخيراً، أشرع في قراءة الكتاب. يبدأ ابن جارنا الشاب بعادته الروتينية بكشّ الحمام. لا أملك إلا أن أشاهد إتقانه التواصل مع سرب الحمام الذي أطلقه للتوّ نحو السماء. وكيف يتحكّم في علوّ الحلقات التي يسبح فيها سربه واتجاهه والوقت الذي سيهبط فيه، بحركة من يده وصرخة من حنجرته وصافرة من شفتيه. أراقبه كيف ينتظرها جميعها لتدخل القفص، محكماً إغلاقه، كأنّه يحاول القول لن أمنحكم حرّيتكم... حتّى نحصل عليها نحن أولاً.
ناديا خير

■ ■ ■

لصباح المطر وصلاته

لي صباحات تشبه الركض فى الموج، أعاركُ الوقتَ والوسادة وضوء النافذة، من دون أن تتمكن كلّ ساعات المنبه من إيقاظي من نوميّ الثقيل، ومن دون أن أبدأ نهاري المعتاد بالفوضى.
لا أطفال فى الشارع، لا عصافير تنقرُ الزجاج والفُتات، ولا حتى (صباح خير) واحدة يلقيها أحد. لا شيء سوى غنائي اليتيم على الرصيف الفارغ من البسمة!
لا شيء سوى جدران الإسمنت والعمارات الكسلى، لا رائحة قهوة تتسرب من شق باب مفتوح، ولا قلب ينبضُ فى ذلك الفراغ الهائل للشمس. ربما كنتُ أحبّ المدن الملوّنة، لكنّ حنيني لأزقة المخيم الصغيرة يُعري اغترابي المزمن فى برودة الاسمنت والوجوه، فأعودُ لأوّل الدفء والذاكرة.
لحبال الغسيل، وأرجل الأطفال العارية، لأحاديث الجارات والعجائز، لبائعي الخضر والحلوى المتجولين، لراديو جدتي ونعنعها، لكتابات الجدران، لشوق أبو العبد وهو يكلّم ابنه المغترب على الهاتف، فتسمع كلّ الحارة صوته، لقصص الحبّ الصغيرة، لقاع الدار المكشوف لليل والأحلام، لصور الشهداء، لقرقعة المطر فى الأواني التي يفردها المخيّم لاستقبال طعم المطر، لآثار المقاومين والرصاص وراء الخوف والنوم، فى أيام اجتياحات الجيش على الحدود، أشتاق لبياض الياسمين، لنكات السكارى فى آخر الليل، للنار الشتوية التي يشعلها الصبيان من الخشب ومن قمصانهم الصيفية المهترئة، لكنزات الصوف ولأحذيتنا المبللة ببرك الماء، أشتاقُ لصباحات المخيّم، تراتيل صلاته وفظاظة شتائمه، أشتاقُ لتخميننا الطفوليّ لزخات المطر على أسطح الزينكو فى خدر النوم الخفيف، كان يشبه صوت قلي البطاطا بالزيت، أو صوت سقوط قرص الفلافل في المقلاة، ربما كان ذلك صوت الجوع الصباحي لـ«سندويش» شهيّ فى طريقنا إلى المدرسة.
أسماء شاكر ـــــ غزة