قتل وبلطجة وسحل ورشى وسيطرة أمنيّة مطلقة


وائل عبد الفتّاح
«عيني عينك»، استخدمت العبارة كثيراً لوصف ما حدث يوم الانتخابات الذي يصعب توصيفه، إنه الدامي.

فقد سقط قتلى (أعدادهم تراوح بين ٣ و٩ ووصل إلى ١٢)، والصادم حيث أصيب الجميع بالسكتة من هول السيطرة الأمنية والإدارية، والفاضح حيث الانتهاكات علنية، وبلا خجل أحياناً.
معظم اللجان وقعت تحت سيطرة المرشحين الأقوى من الساعات الأولى، والقوّة هنا ليست قوة مطلقة للحزب الوطني الحاكم، ولكن لمن يملك أسلحة خاصة، من الرشى خارج اللجان وداخلها الى فرق بلطجة (رجالية ونسائية)، والأخطر هو من ينتمي الى جناح مؤثر أو جهاز مسيطر، حيث يتنافس مثلاً أكثر من ١٠٠ ضابط من العاملين السابقين في أجهزة الأمن، معظمهم على قوائم الحزب الوطني، وهذا ما يفسّر حدة التزوير رغم الاطمئنان النسبي إلى النتيجة، الذي جعل عمال التجهيزات يرفعون الدعاية الانتخابية في بعض الدوائر مع أولى ساعات النهار، مشيرين إلى أن «الانتخابات انتهت».
هناك قلق عام لدى النظام، تركز في جماعة الإخوان المسلمين، لا في غيرها، هدفه أولاً عدم حصول الجماعة على عدد مقاعدها في البرلمان الأخير (٨٨ مقعداً). وثانياً منع استعراض القوى الذي تبدو فيه الجماعة مالكة للشارع، استخدمت لهذه الخطة أساليب قديمة، من نشر فرق البلطجيّة في الدوائر الملتهبة، وخصوصاً في الإسكندرية، حيث احتلت فرق البلطجيّة مناطق كاملة، واعتداء البلطجيّة على أنصار ومرشحين، وعندما اتصل صحافيون بالنائب صبحي صالح منافس الوزير عبد السلام المحجوب ردّ عليهم: «أنا في المستشفى».
الأساليب الجديدة بدأت بحجب مواقع الجماعة على شبكة الإنترنت منذ الساعات الأولى، ثم نشر مجموعات شبابية على أبواب اللجان ترفع لافتات «افتكروا تاريخهم الأسود»، إضافةً الى تقديم شكاوى من مرشحي الوطني ضد انتهاكات مرشحي الجماعة، لتصبح الصورة أنها ليست حرباً ضد الإخوان، لكن حرب بلطجية ضد بلطجية ومزورين في مواجهة مزورين، وتبقى فكرة الدعاية المضادة لضرب التصويت البسيط المتعاطف مع الإخواني باعتباره الرجل الصالح الملتحي.
الجماعة تعاملت بمنطق الدفاع عن النفس، ولم تعلن انسحابها، وبدت تصريحات زعماء العمليات أقرب الى المستضعفين في مسرحية موزعة أدوارها من مخرج متسلط: النظام شرير الشاشة الذي ينتصر على المستضعف، بينما الجمهور يتفرج.
الجمهور خرج عن النص، لم يكن متفرجاً تماماً، وبدت المراقبة الشعبية أكثر قوة من المتوقع، ولُخّصت بالمشاهد المصورة من داخل اللجان بكاميرات التلفون المحمول، أو بكاميرات من مصوّرين ومدوّنين فدائيّين، كسروا الحصار الحديدي بوسائل صغيرة.
أشهر هذه اللقطات تصوّر موظفين في أكثر من لجنة يسوّدون البطاقات الانتخابية (أي يضعون علامات على مرشح بعينه، كان مرشح الوطني في كل اللقطات، نيابةً عن الناخبين). لقطات أخرى لعضو حزب وطني يخرج على الناس من مبنى إداري حاملاً سيفاً وعصا غليظة.
أطرف الصور الثابتة بطلها وزير الإنتاج الحربي سيد مشعل، التقطته الكاميرا وهو يوزع بيده أوراق العشرة جنيهات الجديدة على جموع ملتفّة حوله.
والمعروف أن الانتخابات هي الموسم المالي لباعة الأصوات من المحتاجين والمحترفين، وراوحت حظوظهم بين الصفر لعدم الحاجة الى شراء، أو الاكتفاء بوجبة طعام توزع داخل اللجنة، وبين تسعيرة عادية عمومية كانت ورقة المئة جنيه بطلتها. التسعيرة الفاخرة وصلت الى ٣٠٠ جنيه، كما كانت الحال مع مرشح الحزب الوطني الحاكم هشام مصطفى خليل في دائرة قصر النيل، و٧٠٠ جنيه مع رضا وهدان مرشح الحزب نفسه في دائرة شبرا.
«الأموال مثل المطر»، قال رجل غاضب خارج من اللجنة، ولم يشرح. الخبراء تولّوا الشرح: «هذا العام الرشى داخلية، أي تدفع للموظفين في اللجان نفسها...». جميلة إسماعيل أمسكت بواقعة رشوى فاضحة في إحدى اللجان، وطاردت مرتكبيها، كما طاردت هي وأنصارها رئيس لجنة سوّد لجنة كاملة لمصلحة منافسها مرشح الوطني.
مقاومة التزوير، ملمح جديد في الانتخابات، تكرر حول مرشحين يتمتعون بجماهيرية، كما حدث مع حمدين صباحي، زعيم حزب الكرامة (تحت التأسيس) في دائرة البرلس والحامول (محافظة كفر الشيخ)، حين أعلن انسحابه خوفاً على أهالي دائرته من انتقام البلطجية.
أمين تنظيم الحزب الحاكم، المليارير أحمد عز، رد على حمدين بالقول: «انسحبت لأنك تأكدت من الهزيمة»، بينما أكد رئيس حزب «الوفد»، السيد البدوي، أن خبر انسحاب مرشحي حزبه غير صحيح لأنه «ليس هناك ما يستدعي الانسحاب». أما رئيس حزب «التجمع»، رفعت السعيد، فكان رأيه أنّ «التجاوزات عادية».
هذه شراكة من المعارضة «الرسمية» أو كما تسمى في أدبيات ساخرة «معارضة موالية» في غسيل صورة الانتخابات باعتبارها «عملية التخلص من الإخوان». واستكمالاً للغسيل يتوقع خبراء حقوقيون، في ظل غياب الرقابة المحترفة، أن تصدر تقارير من مراكز حقوقية (تصنيع دولة) تؤكد أنها كانت انتخابات شفافة.
«الشفاف الوحيد كان الصندوق الجديد»، ضحك الخبير الحقوقي، مشيراً إلى أنه «ما أشبه الليلة بعام ١٩٩٥»، حين أجريت الانتخابات من دون إشراف قضائي.
تكاد انتخابات أمس تُجرى تحت إدارة مباشرة من المباحث الجنائية، لاحظ الخبير الحقوقي، مشيراً الى أنه في العادة كانت تستخدم الشرطة العادية لتأمين اللجان، ويراقب من بعيد «أمن الدولة».
ضباط متخصصون في متابعة الجريمة يضمنون تأمين اللجان الساخنة، بينما هناك لجان إرشادية وزعت عليها وزارة الداخلية ضباطاً شباباً يستقبلون الصحافة بوجه مختلف، طالباً تصريح اللجنة العليا، مؤكداً أن التعليمات لديه: «تعاونوا مع الصحافة».
مثل هذه اللجان الخالية من التزوير اختارتها إدارة الانتخابات بعناية، لتكون أمام التلفزيونات العالمية دليل الشفافية، ورمزاً من رموز النزاهة.
المراسلون الأجانب خارج هذه الدوائر كانوا أسرى الأمن والبلطجية. مراسلة فرنسية من أصل جزائري سحلتها في الشارع فرقة بلطجة نسائية، وضابط في لجنة أخرى حطّم كاميرا مصور فوتوغرافي. هذه عيّنة من تجاوزات لم ترصدها ضد وسائل إعلام تعاملت بفدائية مع اليوم الصعب في مصر، الذي تعامل معه المصريون بمنطق الأسرى والرهائن، تشحنهم الأحداث باحتقان وغضب مصحوب بشعور العجز، ولا أحد يعرف الى أين كل هذا الغضب؟