أزمة قديمة جديدة يعيشها الطلاب الفلسطينيون هذه الأيام، من أبرز ملامحها عدم تبني الأونروا للمرحلة الجامعية، رفض صندوق الطالب الفلسطيني إعطاء قروض لأي طالب جديد، وخضوع منح منظمة التحرير الفلسطينية للولاء السياسي لحركة فتح


فاتن الحاج
«ما في مصاري وبدّي أتعلّم»، تقول سماح واكد. تحضر الفتاة إلى مخيم مار الياس حيث كان اتحاد الشباب الديموقراطي الفلسطيني يعقد مؤتمره عن أزمة التعليم الجامعي، مصطحبة والدها القلق على مصير ابنته «الشطورة». يقول بتحسر المغلوب على أمره: «رح خليها بالبيت إذا ما أعطونا المنحة». أما هي، فتتحدث بصوت خافت وبلهجة الخائف على مستقبل سيضيع منه حتماً. لا تتردد الطالبة الفلسطينية المتفوقة بسرد تفاصيل حكايتها أمام كل من يهمه الأمر. هكذا تقرر أن تشارك في المؤتمر، كما قالت، بعدما علمت أن مدير صندوق الطالب الفلسطيني حسن أبو رقبة سيكون حاضراً هنا. تروي بقلق كيف استدان والدها القسط هذا العام، وهو غير قادر على تسديد الدين. بل إنّ اليأس بلغ بها حداً جعلها تقول أكثر من ذلك: «إذا ما بدن يعطوني المنحة، خليني رجّع المصاري للشخص الذي أخذتها منه وإرجع عالبيت وبقول هيدا نصيبي». وفي الحكاية أنّ سماح قدمت العام الماضي طلباً للحصول على منحة من وكالة الأونروا، مراهنة على علاماتها المرتفعة في الشهادة الثانوية.
في البداية، لم توافق الأونروا على إعطاء الفتاة منحة كاملة، فضاع حلمها بدراسة إدارة الأعمال، وتحوّلت إلى معهد سبلين لتدريب المعلمين رغم عدم رغبتها في دراسة هذا الاختصاص «بس ما بدّي ضل بالبيت».
في منتصف العام، تلقت واكد اتصالاً هاتفياً من الوكالة أعاد لها حلمها الضائع بعد إبلاغها أنّها حصلت على نصف منحة من الحكومة اليابانية لسنة جامعية واحدة فقط. هكذا، قرّرت الطالبة العودة إلى إحدى الجامعات، مكثفة جهودها لاستعادة ما فاتها من دروس «ما ارتحت لا شتا ولا صيف»، طمعاً بمعدّل قد يفتح باب الأمل من جديد، وخصوصاً أنّه قيل لها إنّه ليس من عادة الأونروا أن تترك الطالب المتفوق «بنص المشوار». بناءً على ذلك، كتبت الطالبة رسالة إلى الوكالة تشرح وضعها، أملاً بالحصول على منحة جديدة، لكن من دون جدوى. أما اليوم، فهي تنتظرها من أي جهة أتت.
بعدما استمع أبو رقبة للحكاية، حاول أن يشرح أنّ الصندوق اتخذ قراراً هذا العام بعدم تقديم أي منحة لأي طالب جديد، تدخلت سماح لتقول: «ولو كان معدلي 90/100؟».
فوجئ الرجل بما سمعته أذناه، «إذا كان هيك بدنا نشوف. تعي قدّمي طلب بالمكتب، وإن شاء الله خير. بس مش رح أوعدك هلق».
لا يُطمئن هذا الكلام كثيراً سماح التي احتارت لمن تشكو همها. تقول لـ«الأخبار»: «شو رأيك إذا حكيت بالجريدة معقولي تظبط المنحة؟».
لكن الأونروا المطالبة بتبني المرحلة الجامعية ضمن برنامجها التعليمي ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن المنح الجامعية، كما يقول يوسف أحمد، رئيس اتحاد الشباب الديموقراطي الفلسطيني. فمنظمة التحرير الفلسطينية غائبة، بحسب أحمد، عن متابعة الهموم الطلابية، وإذا ما قررت تقديم أي مساعدة، فإنّ ذلك يكون ضمن سياسة التفرد والهيمنة والمحسوبيات. كذلك انتقد أحمد عدم احتضان الطلاب الفلسطينيين في الكليات التطبيقية للجامعة اللبنانية وغياب التعليم الجامعي عن برامج المنظمات غير الحكومية الفلسطينية. أما صندوق الطالب الفلسطيني، فقد بدأ ـــــ كما يقول ـــــ يشدد قيوده على الطلاب الذين يحق لهم الاستفادة من قروضه، إذ اشترط هذا العام أن يكون معدّل الطالب 80 /100، لذا دعا إلى إعادة النظر بالقوانين وإتاحة الفرصة لاستفادة أكبر عدد ممكن من الطلاب.


أسست منظمة التحرير صندوقاً طالبياً جديداً بقرار رئاسي
لكن أبو رقبة يشرح أنّ الصندوق ليس مؤسسة حكومية فلسطينية، بل جمعية خيرية لبنانية فلسطينية تقدّم منذ عام 1973 قروضاً للطلاب الفلسطينيين المتفوقين، معتمدة على دعم عدد من كبار الأثرياء الفلسطينيين. لكن الصدمة كانت حين تخلّف الفلسطينيون عن تسديد القروض من جهة، وانخفض عدد المتبرعين من جهة ثانية، ما اضطرنا إلى رفع معدل قبول الطلب تدريجاً من 60% إلى 80%. وكشف الرجل أننا «لن نقبل هذا العام أي طالب جديد».
ما يشدد عليه أبو رقبة هو استقلال الصندوق عن منظمة التحرير وعن أي فصيل فلسطيني.
وهو، وإنّ رحب بلجوء منظمة التحرير في 23 آب الماضي إلى تأسيس صندوق لدعم الطلاب الفلسطينيين بقرار من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، تمنى لو أنّه جرى عوضاً عن ذلك دعم «صندوقنا المستقل»، بالنظر إلى الدور التاريخي الذي أداه في هذا المضمار.
وفي المناسبة، يبدأ الصندوق الجديد باستقبال الطلبات، ابتداءً من اليوم الاثنين، في مقر السفارة الفلسطينية.
هنا، أبدى أحمد خوفه من أن يكون التعاطي مع الصندوق الجديد على غرار المؤسسات الأخرى لمنظمة التحرير، أي بهيمنة وتفرد، وخصوصاً أنّ أول الغيث هو أن جميع أعضاء مجلس الإدارة هم من الضفة الغربية ولا تضم الهيئة أي شخص ممن خبروا الواقع التربوي الفلسطيني في لبنان.
لكن مطلب الاتحاد، كما قال، أن ينتقل الاهتمام بالتعليم الجامعي إلى كل القوى الطلابية، وهذا لا يحدث برأيه إلّا بإعادة إحياء الاتحاد العام لطلبة فلسطين الذي يقطع الطريق أمام أي توزيع فئوي للمساعدات الجامعية. يذكر أحمد هنا كيف أنّ منظمة التحرير تتحكم بـ10 إلى 15 منحة سنوية تقدمها جامعة بيروت العربية عبر اتحاد المهندسين الفلسطينيين وتوزعها على محسوبياتها.


ينتقد الناشط الطلابي عاصف موسى (الصورة) طريقة تعاطي بعض الجامعات الخاصة مع الطلاب الفلسطينيين. «منبوس إيدين وإجرين لنحصل على حسومات»، يقول. إحدى هذه الجامعات التي ينتظر منها الطلاب التفاتة وطنية وقومية ترفض إعطاء أي منحة أو تقديم أي حسم، علماً بأنّها تضم 1600 طالب فلسطيني، وهو عدد يفتح جامعة، بحسب موسى. يطرح الشاب مشروع إنشاء الجامعة الفلسطينية في لبنان برسوم رمزية، أحد المخارج التي يمكن من خلالها تخطي أزمة مواصلة الدراسة الجامعية.