الجزائر | لا يخفي أحمد أويحيى، وهو السياسي المتقلب في مراكز المسؤولية، طموحه لرئاسة الجزائر. فهو القائل يوماً عندما سئل عن إمكانية ترشحه إن «الرئاسة موعد بين الرجل وقدره»، مستعيراً بذكاء مقولة الرئيس الفرنسي الأسبق، فاليري جيسكار ديستان، التي وجد فيها ما يبعد عنه الإحراج في الإعلان الصريح عن سعيه للرئاسة في ظل استمرار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الحكم.


يشغل أحمد أويحيى الرأي العام في الجزائر، والصحافة تحديداً، إلى حد المبالغة، فمجرد ظهور خبر عنه ولو كان بسيطاً يجعله يتصدر الصفحات الأولى للجرائد لدرجة إهمال التأكد من الخبر المنشور أحيانا. ذلك ما وقع الأسبوع الماضي عندما ذكرت الكثير من الصحف المحلية أن أحمد أويحيى صار «الكل في الكل» في رئاسة الجمهورية، إثر صدور مرسوم في الجريدة الرسمية يجعل تحت تصرفه، كمدير ديوان الرئاسة، أربع مديريات فرعية في رئاسة الجمهورية. بينما الحقيقة أن أويحيى نُزعت منه مديرية خامسة هامة تتعلق بالأمن والحماية، أما المديريات الأربع الأخرى، فكانت تحت إشرافه من البداية، الأمر الذي دفع البعض من جهة أخرى إلى وصف ما يحصل بـ «تقليم أظافر أويحيي في قصر الرئاسة».
وحالما عاد أحمد أويحيى إلى رئاسة حزب «التجمع الوطني الديموقراطي» (في بداية الصيف الجاري، وهو ثاني أحزاب الحكم)، وإلى تنشيط الندوات واللقاءات السياسية، تسبب بفتنة كبيرة داخل المعارضة، إذ كاد لقاؤه برئيس «حركة مجتمع السلم»، عبد الرزاق مقري، أن يتسبب بتفجير «تنسيقية الانتقال الديموقراطي»، أحد أهم تكتلات المعارضة، بعد رفض أعضائها هذا اللقاء الذي جرى دون علم البقية. كما سارع في المقابل الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني»، عمار سعداني، إلى رفض مبادرة أويحيى بإنشاء تحالف رئاسي لدعم الرئيس بوتفليقة برغم ولائهما له، فكان أن وصفت إحدى الصحف هذه التطورات تحت عنوان «ساندروم (متلازمة) أويحيى يصيب الساحة السياسية».

علاقات متوازنة مع أجنحة النظام

ويعود هذا الاهتمام بأحمد أويحيى لكونه أحد المطروحين بقوة عند صناع القرار في الجزائر لخلافة الرئيس بوتفليقة. هو يتمتع بعلاقات جيدة مع قادة المؤسسة العسكرية بكل فروعها، وخاصة جهازها النافذ «مديرية الأمن والاستعلام» (المخابرات)، الذي يصف قائده (محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق) بالوطني ويدافع عنه بشدة، كما أن أويحيى لا يزال يحظى بثقة الرئيس بوتفليقة، الذي طلب مساندته للحصول على ولاية رابعة (خلال العام الماضي) وهو في وضع صحي متدهور.


يعود الاهتمام بأويحيى لكونه أحد المطروحين بقوة عند صناع القرار


وهكذا، على عكس عمار سعداني، الذي رمى بيضه كله في سلة الرئيس بوتفليقة، وهاجم بشدة قائد المخابرات، ظل أحمد أويحيى يحتفظ بعلاقات متوازنة مع كل المراكز المؤثرة في صناعة القرار بالجزائر، ويرفض الدخول في صراع مع أي طرف كان، حتى في عز الأزمة التي مر بها حينما أبعده الرئيس بوتفليقة من رئاسة الحكومة خلال ولايته الثالثة عام 2012، وأشيع بأن محيط الرئيس كان وراء إبعاده أيضاً من على رأس حزب الموالاة الثاني «التجمع الوطني الديموقراطي».
وبرغم الانطباع السلبي عند جانب من الجزائريين عن أويحيى بسبب سياساته غير المنحازة إلى الفقراء عندما كان رئيساً للحكومة، نجح الرجل مع ذلك في ترك انطباع لدى الكثيرين بأنه «ذكي» و«صريح» و»صاحب حيلة» و»قادر على الإقناع والتأثير»، إلى غير ذلك من الصفات التي تؤهله عند البعض لرئاسة البلاد، مع أنهم يختلفون بشدة معه. أما عند أنصاره، فيعدّ أويحيى «رجل دولة بامتياز، أثبت جدارته في تسيير أعقد الملفات، في كل المناصب التي تقلدها في الدولة»، كما يقول شهاب صديق، النائب ومسؤول الإعلام في «التجمع الوطني الديموقراطي».

«رجل نظام لا دولة»

يقول أبو جرة سلطاني، الرئيس السابق لـ «حركة مجتمع السلم»، إن أويحيى الذي عمل معه وزيرا وشريكا في التحالف الرئاسي، «لا يخفي طموحه في الرئاسة، ولكن لا يضخمه بحيث يصبح منافسا للرئيس الحالي، وهو ليس مستعدا أصلا لمنافسة بوتفليقة، بل ينظر إلى ما بعد الرئيس الحالي، وهذا ما يجعله في رُواق مريح يتحرك بهدوء وببطء وبثقة في النفس، ويجعل الأطراف التي تتعامل معه لا تتوجس منه».

ويرى سلطاني في حديث لـ «الأخبار» أن «ما يصنع هذه الهالة حول أويحيى أنه لا يتكلم كثيرا في وسائل الإعلام، وليس متاحا، عكس بقية رؤساء الأحزاب السياسية، لكن بصرف النظر عن ذلك، فهو رجل دولة له قدرة على إدارة الملفات، وخبرة واسعة في التسيير، باستثناء الملف الاجتماعي الذي جلب عليه تذمر الجزائريين بسبب إخضاعه كل النفقات للحسابات الاقتصادية».
ويعقّب سلطاني بأن «رجل دولة في الجزائر، لا تؤدي المعنى المعروف عن هذه العبارة في الدولة الديموقراطية، فهي تعني (هنا) رجل نظام يقف على مسافة واحدة من الجميع، بحيث لا يعادي أحدا، ويحاول أن يكون نقطة ارتكاز».
وعن سبب إبعاد الرئيس بوتفليقة لأويحيى ثم الاستعانة به من جديد، يوضح سلطاني أنه لا يستطيع الإقرار بمعرفته بالرجلين، لكنه يشير إلى أن «التحولات والاضطرابات التي تعيشها الدول في ظل الربيع العربي، فرضت التعامل مع الظرفي والمؤقت والانتقالي، الذي يتطلب الاستعانة بمسمى رجال الدولة بصرف النظر عن طموحاتهم وتوجهاتهم السياسية».
يكبت طموحه خوفاً من بوتفليقة؟
لكن هل يزعج بوتفليقة أن يعلن أويحيى رغبته في الرئاسة؟ يجيب سلطاني أن «بوتفليقة ليس ضد الطموح، ولكن ضد التسرع في الطموح وإعلانه».
هذه الرؤية لا يشاطره إياها كثير من السياسيين الذين يعتقدون فعلا أن الرئيس بوتفليقة يزعجه حقا أن ينافسه أيّ كان على الرئاسة، ويعتقدون أن سبب إبعاد أويحيى وعبد العزيز بلخادم (الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني) هو إعلانهما الرغبة في الجلوس مكانه، لدرجة تصريح جيلالي سفيان رئيس حزب «جيل جديد» المعارض، مثلاً، أن «الرئيس بوتفليقة يريد أن يموت على الكرسي».
ويلقى أويحيى هجوما شديدا من جانب المعارضة، فهو عند جيلالي سفيان دائماً «سياسي دون مبادئ، يعود في كل مرة إلى الواجهة كلما طلب منه ذلك». ولا يتحرج شافع بوعيش، وهو رئيس كتلة «جبهة القوى الاشتراكية» في البرلمان، من وصفه بـ «صاحب المهمات القذرة»، وهي تسمية التصقت به منذ كان يشرف على إدارة ملفات جلبت عليه سخطا شعبيا عارما، كمشاريع الخوصصة (الخصخصة) وتصفية المؤسسات العمومية.