الرباط | على امتداد الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة التي شهدها المغرب، كانت نسبة المشاركة المتدنية هي الهاجس الأكبر الذي يؤرق الدولة، ويثير القلق. فبالرغم من وجود تعددية حزبية في المملكة، التي تجاوز فيها عدد الأحزاب الخمسين، يعتقد بعض المتابعين السياسيين أنّ الرهان السياسي لمختلف الفاعلين الحزبيين يبقى محدوداً، بسبب طبيعة النظام السياسي الذي يمنح صلاحيات واسعة لشخص الملك في ما يخص وضع السياسات العامة للبلد، وفي ما يخص إشرافه الدائم والمباشر على المشاريع الكبرى، فضلاً عن صلاحيات دستورية واسعة في التعيين في المناصب العليا وترؤسه للمجلس الوزاري، وغيرها.


هذا العزوف الانتخابي هو ما دعا الملك محمد السادس في خطابه الأخير الذي وجهه إلى الشعب (20 آب/ أغسطس)، إلى التأكيد أن الهدف من الانتخابات «لا ينبغي أن يكون الحصول على المناصب، بل يجب أن يكون من أجل خدمة المواطن فقط»، معتبراً أن ذلك «يتطلب من الأحزاب والمرشحين العمل على إقناع المواطنين بجديتهم وجودة وواقعية برامجهم، وتوضيح الرؤية أمامهم، وحسن التواصل معهم»، داعياً في الوقت نفسه فعاليات المجتمع المدني والهيئات النقابية إلى الانخراط بقوة في تعبئة المواطنين وتشجيعهم على المشاركة في العملية الانتخابية.
وللمرة الأولى، يدعو الملك المغربي، بلغة مباشرة وغير مسبوقة، المواطنين إلى التصويت في الانتخابات الجماعية والجهوية، بحيث ركز على أن «السلطة التي يتوافر عليها المواطن، للحفاظ على مصالحه، وحل بعض مشاكله، ومحاسبة المنتخبين وتغييرهم، تتمثل في كلمة واحدة من ثلاثة حروف هي: «صوّت»، مضيفاً أن «التصويت حق وواجب وطني، وأمانة ثقيلة عليكم أداءها، فهو وسيلة بين أيديكم لتغيير طريقة التسيير اليومي لأموركم، أو لتكريس الوضع «القائم، جيداً كان أو سيئاً».

أكبر تنظيم سياسي يقاطع

وإذا كانت دعوة أعلى سلطة في البلاد، ممثلة في الملك، واضحة ومحفزة على المشاركة الانتخابية، مدعومة بانخراط أحزاب مختلفة قدمت ما يقارب 130 ألف مرشح، فإن أطرافاً معارضة في المشهد السياسي تعترض على العملية برمتها. وفي مقدمة هذه الهيئات، «جماعة العدل والإحسان» الإسلامية، التي تعتبر أكبر فصيل سياسي معارض يرفض الدخول إلى الانتخابات بسبب اعتراضات يعتقد أنها جوهرية على طبيعة النظام السياسي.


بين المشاركة والمقاطعة، تختلف التقديرات، لكنها تعبّر عن دينامية سياسية انخرط فيها المغرب


«الجماعة»، التي أسسها الشيخ الراحل عبد السلام ياسين، وتعتبر الأكثر تنظيماً وانتشاراً بين الهيئات السياسية في المملكة، تسوّق عدة مبررات لموقف المقاطعة؛ من بينها أنها «محاولة إلهاء القوى السياسية واستغفال الشعب المغربي والالتفاف على مطالبه بانتخابات صورية تكرس النزعة التسلطية، وتفتح الباب واسعاً للسلب والنهب والتلاعب بمشاعر المغاربة وإرادتهم دون حسيب أو رقيب، من خلال مؤسسات شكلية وبرامج تنموية وهمية وعقيمة، ليس لها من وظيفة إلا إخفاء الوجه البشع لنظام الفساد والاستبداد».
موقف «العدل والإحسان» ترفضه الكتلة الإسلامية الأخرى التي تشارك في الانتخابات وتقود الحكومة، ممثلة في رئيس الوزراء، عبد الإله ابن كيران، وحزبه «العدالة والتنمية»، التي تؤمن بما تسميه «الإصلاح في ظل الاستقرار»، أو «الإصلاح من داخل النظام»، وقد قدمت لهذا الغرض ستة عشر ألف مناضل، ما سيحدث شرخاً في الكتلة الناخبة المتعاطفة مع التيارات الإسلامية.
وتشدد «العدل والإحسان»، في دعوتها إلى مقاطعة الانتخابات، على أن المغرب إذ تبنى منذ عقود «نظام اللامركزية... لكنه للأسف ظل شكلياً بسبب الوصاية المتشددة والمراقبة المبالغ فيها التي تعكس غياب الثقة والخوف من إرادة الشعب، وتجرد نظام اللامركزية والمؤسسات المنتخبة من جدوى وجودها، وتجعلها تابعة للأجهزة المركزية، وخاصة تحت رحمة سلطة الوصاية الإدارية لوزارة الداخلية».
وتؤكد «الجماعة» أن جلّ الجماعات المحلية عاجزة عن تلبية حاجيات السكان، بل إن عدداً منها عاجز عن أداء واجبات المستخدمين، وإن المناخ السياسي الذي تجري فيه هذه الانتخابات تعتريه العديد من الاختلالات السياسية الكبيرة، التي تتمثل في استمرار الاعتقال السياسي، والتضييق على حرية الرأي والتعبير والصحافة، وقمع الاحتجاجات السلمية، والتضييق على الهيئات الحقوقية والمدنية والمنابر الإعلامية، وإقصاء المعارضين وافتعال القضايا ضدهم، وهو ما يفقد العملية الانتخابية طابعها التنافسي وتكافؤ الفرص بين كل الفرقاء. في المقابل، يأخذ العديد من المراقبين على «جماعة العدل والإحسان» اشتراطها إصلاح الأوضاع قبل قبولها المشاركة، مشيرين إلى أن هذا الموقف السياسي يعبّر عن «انتظارية» سلبية.
«هذه قراءة غير سليمة، فالمغرب تقدم خطوات إلى الأمام، لا على المستوى السياسي أو الحقوقي، أو في ما يخص توسيع صلاحيات المؤسسات التمثيلية، والمشاركة السياسية للجماعة ستدعم هذا المسار، أما مقاطعتها فلا تخدم إلا توظيف المال المشبوه في الانتخابات، والفاسدين من المنتخبين.... مشاركة العدل والإحسان، باعتبارها أكبر فصيل معارض، ضرورية لتكريس اختيارات المغرب الديموقراطي، لكن ضرورية كذلك للجماعة للخروج من الجمود التنظيمي، ومن التكلس في الموقف السياسي وتقديرها للأمور»، يقول محلل سياسي مغربي.

الدولة تمنع المقاطعين!

«الدفوعات» السياسية للجماعة يتبناها كذلك «حزب النهج الديموقراطي» اليساري، الذي دعا أعضاءه وعموم المغربيين إلى المقاطعة، ليلتقي في القراءة السياسية للانتخابات: إسلاميو «العدل والإحسان» مع يساريي «النهج الديموقراطي» الذين نزلوا إلى الميدان لتوزيع منشورات على المواطنين، لكن السلطات أوقفت العملية في أكثر من منطقة، خاصة في أكبر مدينتين مغربيتين، الدار البيضاء والعاصمة الرباط. وجرى خلال التدخلات «الأمنية» توقيف مناضلين قبل إطلاق سراحهم، ما أثار اعتراضاً من العديدين، بينهم أحزاب مشاركة في الانتخابات.
وقد انتشرت على نطاق واسع، وخاصة ضمن شبكات التواصل الاجتماعي، صور لتدخل رجال الأمن ضد مناضلي «النهج الديموقراطي»، ومع ذلك أصدرت وزارة الداخلية المغربية، يوم الأربعاء الماضي، بياناً نفت فيه «نفياً قاطعاً كل ما ادُّعي بخصوص استعمال القوات العمومية للعنف»، وأكدت أن «كل ما نسب إلى المصالح الأمنية يبقى عارياً من الصحة والصدقية».
وإذا كان «النهج» موجوداً في خندق المقاطعين، فإنّ أحزاباً يسارية أخرى قريبة من حيزه السياسي تشارك بمرشحين في الانتخابات المقبلة، أبرزها «تحالف أحزاب فيدرالية اليسار»، الذي اقتنع بأن المشاركة أفضل من المقاطعة، فقدّم عدداً من قيادييه للانتخابات، تبقى أبرزهم نبيلة منيب، الأمينة العامة لـ«اليسار الاشتراكي الموحد»، وهي المرأة الأولى والوحيدة التي تترأس حزباً في تاريخ المغرب.
«تحالف أحزاب فيدرالية اليسار» يتبنى كل مواقف المعارضين ودفوعاتهم السياسية والحقوقية، لكن يعتقد أنّ سياسة «الكرسي الفارغ» فسحت المجال لـ«أعداء الديموقراطية» للبقاء في المناصب، مدافعاً عن حقه في المشاركة وأن دفع الدولة إلى مزيد من الإصلاحات من داخل المؤسسات المنتخبة أكثر فعالية إذا ما ارتبط بالضغط في الشارع.
بين المشاركة والمقاطعة، تختلف تقديرات مختلف الفرقاء السياسيين، لكنها تعبّر عن دينامية سياسية انخرط فيها المغرب، ما يجعل هذه المحطة الانتخابية، بالنسبة إلى الأحزاب المشاركة فيها، ذات رهان سياسي كبير في ظل حالة الاستقطاب التي تعيشها البلاد بين حكومة تريد الاستمرار في ما تعتبره «برنامجاً إصلاحياً»، وبين معارضة ترى أن الحكومة أضرت بمصالح قطاعات واسعة من الشعب، وأنها مخطئة حين تدافع عن اختياراتها برفع ورقة الدعم الشعبي و«أنه حان الوقت لتفهم أن المواطنين يرفضون خطواتها».
وبين أحزاب الغالبية الحكومية و«المعارضة الرسمية»، يقف المقاطعون للانتخابات والمعارضون لها من خارج المؤسسات «مغردين خارج السرب الانتخابي».