- لماذا يصابُ المخيم بالتيفوئيد يا صفية؟

- لأنه يبحثُ عن سببٍ واضحٍ للعزلة
-ولماذا يموت المخيّم بالتيفوئيد يا صفية؟
- لأنه يكسرُ روتين الموت الاعتيادي... بالبراميلِ المتفجرة مثلاً.

■ ■ ■


يستطيع اليرموك بمساحته الضيقة أن يقدم لكم ما شئتم من ألوان المآسي، نعم تعا تفرج تعا شوف، هذه البقعة تستطيع أن تلعب دوراً هاماً في لفت نظر العالم، بعيداً عن لهوه ورفاهيته.
في الباص، حيث تشعر نفسك في وقتٍ مستقطع خارج الوقتِ المستقطع أصلاً، سوف تأخذك مقاطع الفيديو على "الآيباد" إلى أبعد مما قد ينسجه خيالك. تشاهد مثلاً كيف يرمي الأوروبيون أجهزة الهاتف والكمبيوترات الحديثة والشاشات المسطحة في حاويات إعادة التصنيع.
- لماذا لا ينعمُ هذا الكون بالعدالة على الجميع؟
- لأن العدالة متعة الله وحده يا صفية.

■ ■ ■


أنا الذي أقطنُ خارجَ المخيم، كثيراً ما كانت تنتابني فكرة أن المخيم مكانٌ للحجْرِ الصحي، أناسٌ معزولون لأسبابٍ مرضية تهدد الآخرين الأصحاء!
هذه هي الحقيقة. إن المخيم نفسه وباءٌ سوف يتفشى إن لم نعزله عن كل ما حوله. ربما نسمع عن قصفٍ يومي وموتٍ بالمجان، لا بأس. هذه أيضاً أحد أسباب العلاج الضروري: التيفوئيد.
لماذا نترك الأطفال يعانون من المرض؟ حتى الحيوانات نضطر إلى قتلها قتلاً رحيماً أحياناً. مسكينٌ هذا العالم المبتلى بالفلسطينيين الذين لا يكفّون عن الصراخ وإزعاجِ الضمائر المرهفة. مسكينةٌ هي الأونروا! أكاد أُرهف السمعَ لضميرها الشفيف وهي تقول "ماذا نفعلُ لهم، إنهم يمرضون من تلقاء أنفسهم"؟!. مسكينةٌ السلطة الفلسطينية! ماذا ستفعل بحمى المخيم وهي مصابةٌ بحمى إعطاء جنسية السلطة للراقصات اللواتي يُصِبنَها بحمى من نوع آخر.
مسكينةٌ هي الفصائل: عشرات السنين من النضال والنكاح السياسي حتى أصبح أصغرُ طفلٍ فلسطيني يسميهم العكاريت، فَليُصب بالحمى إذاً.
مسكينةٌ هي الأنظمة العربية لا تزال تتفقد فحولتها كلما تذكرت البوعزيزي، وهي تحاول أن تنصت لآخر صوتٍ سوف يتم إسكاته كي لا يعيد ارتكاب جريمة "الحرية".
مسكينٌ النظام السوريّ، فهو بالكاد يحتضن أطفال الغوطة، أبناء عمومة حمى المخيمِ بالرضاعة.
مسكينةٌ قوى المعارضة المسلحة! فلو لم يكن المخيم عائقاً أمامها لكانت الآن تحتفل في القصر الجمهوري.
لماذا علينا أن ندفع تبعات هذا الاحتلال الفلسطيني الذي لا يملُّ أبناؤه من الشكوى؟ قد تسمعهم يقولون. هذا المخيم الوقح الذي يذكّرنا بفقرنا وتشرّدنا وهزيمتنا. فليذهب إلى الجحيم.

■ ■ ■


ألم يدرك الفلسطيني بَعد أن لله انطباعاً سيئاً عنه؟ إن الله لا يحبك يا فلسطيني. لا يحب بلادك ولا لجوءك ولا مخيمك. لا بد أن كل هذه المصائب التي تحلّ بك هي من إلهٍ لا يحبّك. أم أنك صدقت امتحان الله للمؤمنين؟ ألم تسأل نفسك يوماً لماذا طال هذا الامتحان؟
فلتعزلوا المخيم إذاً! كيف يقال عن الحمى إنها أصيبت بالحمى؟ أجل، المخيم حمى، واليرموك الذي اعتقد يوماً أنه عاصمة الشتات الفلسطيني لم يكن سوى عاصمة الحمى، عاصمة التيفوئيد.
- هل أصبنا بالجوع بسبب الحمى، أم أصبنا بالحمى بسبب الجوع؟
- إنهم لا يحصون جثث أطفالنا يا صفية.
- أأقول لك فليذهب هذا العالم إلى الجحيم؟ أم أخبركِ عن شوقي لربعية عرقٍ فوق سطوح المخيم؟ أو أشرح لك كيف يصبح اللجوء شوقاً مصاباً بكل هذه الحمى؟! السالامونيلا* يا صفية. لم يبقَ لنا سواها لتعيش بيننا ونموت بها. هل عادت إلينا فلسطين على هيئة سالامونيلا، أم أنه شُبِّه لنا لفرط ما هذينا في الحمى. هههههه آااااخ يا صفية! لو تعلمين كيف سننجو من الحمى لوصلت ضحكتك إلى حيفا!
يقولون إنه يجبُ علينا أن نتخلص من بولنا وبرازنا بشكلٍ صحي! وأين الصحيُّ في القضية إن لم نمارس هذه الرغبة على عيونهم. ويأمروننا بالنظافة وطهو الطعام وحفظه جيداً؟ إنهم يسخرون منا يا صفية. ويبالغون في حثّنا على الاستحمامِ وغسل أيدينا بالماء والصابون؟ لأن أطفالنا يباهون بالقذارة. يطالبوننا بغسل الخضر والفواكه، ههههه، الخضر والفواكه يا صفية! أتذكرين شكلها أو طعمها؟ يأخذون على أطفالنا أنهم لا يشربون الحليب مغلياً بشكلٍ جيد، مع أنهم أشعلوا النار في صدور أمهاتهم... هذا زمن أولاد القحاب يا صفية.
فلتنقذوا هذا العالم الذي يضيق بنا إذاً. لا تدعوه يستسلمُ لخرابنا. فالحمّى متفشيةٌ لا ريب فينا، لا ترأفوا بصغارنا ولا تصدقوا موتنا، فقط اعزلونا عنكم ولا تحتضنونا كما كنتم تفعلون دائماً... ونحن نطعن في ظهوركم. والآن...! بالحمى جئناكم! يا لنا من شعب "نكارين".
دعونا لحرارة الطقس وهي كفيلةٌ بأن تمنح الحمى وسام الانتشار، ولكن اعزلونا جيداً، فالكثير من الحريةِ مُعدٍ. دعونا ننبش قبور تربة المخيم ونخرج كل أولئك الخونة الذين أرهقوكم في النضال من أجل فلسطين. دعونا وحدنا نتنفسُ هذا الموت علناً، علّنا نُكّفِر عن أخطائنا التي أورثناها لأولادكم جيلاً بعد جيل.
في المخيمِ شارعٌ لا يزال على حاله: شباكٌ يتدلى منه شالٌ تركته عاشقةٌ قبل أن ترحل إلى الجانب الآخر من المدينة، وعاشقٌ مقتول، عازف بيانو لا يزال يرشو الله بأغنياته، علّه يحبنا أخيراً، وطفلةٌ تغني "اليرموك اشتقلك يا خيا".
في الشارع ذاته، حُمى تمسكُ سرباً من الأطفال، وتطير بهم نحو السماء.