لا تسير الأمور في جنوبي اليمن وفق ما تشتهي السعودية وحلفاؤها. خلافات عميقة دبت في صفوف «القوات الحليفة»، مزعزعةً الأمل بموطئ قدم آمن لعواصم الخليج. الكل يسعى إلى تحقيق مصالحه، والكل يجتهد في توسيع رقعة سيطرته. بين «الحراك الجنوبي» وتنظيم «القاعدة» وحزب «التجمع اليمني للإصلاح» ومناصري الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي، نزاعات متفاقمة يبدو أنها في طور التصاعد، وهو ما يبدو أن مبادرات قوى العدوان غير قادرة على لفلفته مؤقتاً أو تمويهه إعلامياً، حتى لا يُسيل ما تبقى من ماء وجوه الغزاة وأتباعهم.


ذلك على الأقل ما يوحي به آخر الاجتماعات بين ممثلي هادي من جهة، وممثلي «الحراك الجنوبي» أو ما تسمى «المقاومة الجنوبية» من جهة أخرى. اللقاء ما قبل الأخير الذي ضمّ عدداً من قادة «المقاومة»، لعلّ أبرزهم قائدا محوري الضالع وأبين، شلال علي شائع وعيدروس حقيس، إضافة إلى مدير مكتب هادي، محمد مارم، وقائد المنطقة الرابعة المعين حديثاً، أحمد سيف اليافعي، لم يخرج بأكثر من جملة من المطالب والمطالب المضادة، بحسب ما تؤكد أوساط جنوبية.
ممثلو الرئيس الفار «ألقوا» في وجه «الحراك الجنوبي» شروطاً يتقدمها تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة التي حازتها «المقاومة»، وخصوصاً إبان عملية «السهم الذهبي» والاعتراف بشرعية عبد ربه هادي. في المقابل، أعلن ممثلو «الحراك» رفضهم تسليم السلاح واشتراطهم عدم استقدام أي عناصر «شمالية» إلى الجنوب، إضافة إلى مطالبتهم بتأهيل حاملي الشهادات الجامعية لنيل درجة الضباط والدفع بالباقين إلى الكليات العسكرية. هذا الافتراق أدى إلى فضّ الاجتماع من دون التوصل إلى نقاط مشتركة، لكن الطرفين اتفقا على مواصلة اللقاءات والتباحث في إمكانية الوقوف على أرضية واحدة.


كادت الاوضاع في التواهي
أن تنزلق إلى مواجهة مفتوحة بين «القاعدة» و«الحراك»

هذه الإمكانية مثلت محور المشاورات التي أجراها كل من الفريقين تمهيداً للاجتماع اللاحق الذي أدى، وفقاً لما تفيد أوساط جنوبية، الى اتفاق ظاهري يبعث على الاعتقاد باجتماع الرأي، إلا أنه يستبطن الكثير من النيات والأهواء المتضاربة. ممثلو هادي تراجعوا عن اشتراطهم الاعتراف بشرعية هادي، فيما تنازل «الحراك» عن مطالبته بتنقية «الجيش الوطني» المزمع تشكيله من «العناصر الشمالية». هكذا، تقارب الطرفان حتى اتفقا على تأليف لجان مشتركة لتحديد آلية دمج «المقاومة الجنوبية» بقوات الجيش والأمن. وتشير المعطيات إلى أن الأسماء التي جرى انتقاؤها من طرف القيادات العسكرية الموالية لهادي يتقدّمها اللواء علي ناصر لخشع المعروف بعدائه للقضية الجنوبية.
كذلك، فإن العداء ما بين المطالبين بـ «الإستقلال» ومناوئيهم، لا يبدو أنه في طريقه نحو الإنتهاء. يؤكد مصدر جنوبي أن الحراك يستهدف من موافقته على الاندماج بما يوصف بـ «الجيش الوطني»، التغلغل في المعسكرات الرئيسية وتعزيز مواقعه على مختلف الجبهات والمحاور، تمهيداً لخوض المعركة ضد معارضي «الانفصال»، وهي خطة دونها الكثير من العقبات بحسب ما تثبته المعطيات الميدانية.
ولم تكد تمر ساعات على الاجتماع الأخير بين «الحراك الجنوبي» وممثلي هادي حتى عمد مسلحو «القاعدة» في مدينة التواهي إلى توزيع منشورات تحذر «المقاومة الجنوبية» من المضي في مشروع الاندماج وتتهدد عناصرها بالقتل في حال إصرارها على ذلك.
تهديدات يرى فيها المصدر الجنوبي، «بصمات واضحة» للواء علي محسن الأحمر الذي يعمل حالياً بالتعاون مع قيادات «الإصلاح» على ضرب مراكز القوى التابعة لهادي. التفجير الذي استهدف المكتب المؤقت لمحافظ عدن المعيّن حديثاً، نائف البكري، في مديرية البريقة أخيراً، لم يكن خارجاً عن هذا السياق. وعلى الرغم من أن البكري إخواني الخلفية، غير أنه يميل سياسياً لهادي ولرئيس حكومته، خالد بحاح، وهو ما حدا بالأحمر إلى تحريك خلاياه لضرب مبنى كلية العلوم الإدارية حيث يمارس الرجل مهماته.
السيناريو نفسه تكرر في مدينة التواهي، وإن استهدف هذه المرة «المقاومة الجنوبية» بالدرجة الأولى. عمد مسلحو «القاعدة» إلى تفجير مبنى الأمن السياسي في المدينة، وتمكنوا من السيطرة على جميع أنحائها. سيطرة كان لممثل «الإصلاح» في القلوعة، الدور البارز فيها سواء لناحية التسهيلات اللوجستية أم المشاركة العملياتية.
مدينة التواهي باتت منطقة «قاعدية» بامتياز. وما الإنكار الذي تسوقه وسائل الإعلام السعودية إلا تحريف للوقائع، يقول المصدر الجنوبي، واصفاً التقارير التي عرضتها «الإخبارية» السعودية بشأن خلو التواهي من «القاعدة» وسيطرة «المقاومة الجنوبية» عليها بأنها نوع من المسرحية، إذ إن وساطة جرت بين ممثل «الإصلاح» من جهة وممثلي «الحراك» من جهة أخرى بهدف تهدئة الأوضاع، بعدما كادت تنزلق إلى مواجهة مفتوحة. لاحت أولى علامات هذه المواجهة، في استقدام الحراك تعزيزات كبيرة إلى محيط التواهي ومحاولته اقتحام المدينة، ما حمل قادة «الإصلاح» على التقدم بمبادرة تضمن إخلاء عناصر «القاعدة» لمواقعهم شرط عدم خروجهم من المدينة. وهذا ما كان. إنسحب مسلحو التنظيم من النقاط الظاهرة للعيان ليحتلها بعض مقاتلي «المقاومة الشعبية» ويرفعوا «العلم الجنوبي» عليها.
أكثر من ذلك، يخشى ممثلو هادي في عدن القرب من مبنى المحافظة في المعلا، إذ يجاور المبنى مدينة القلوعة حيث يتمتع «الإصلاح» بنفوذ واسع ما يبعث القلق لدى نائف البكري وغيره. من هنا، يحرص هؤلاء على ملازمة مقارهم في مدينة الشعب النائية، التي تعد الأكثر أمناً بالنسبة إليهم. أما قادة المناطق العسكرية الذين عيّنهم هادي، فلا يجدون ما يقومون به فعلياً.
وفي محافظة مأرب، لا يبدو المشهد أقل إقلاقاً لحكومة هادي والنظام السعودي. آخر المعلومات تفيد بأن المقاتلين القبليين في المحافظة أبلغوا ضباطاً خليجيين رفضهم المشاركة في أي عمليات خارج حدود مأرب، ما من شأنه إرباك حسابات قوى العدوان وفرملة اندفاعاتها باتجاه غزو صنعاء. هذه الشرذمة على مستوى الأهداف السياسية والخطط العسكرية يوازيها تنازع يصفه الجنوبيون بـ«المعيب» على المساعدات الإنسانية. بعض من تجليات ذلك التنازع، عمليات استيلاء ميليشيات «الإصلاح» على نسبة كبيرة من المواد الإغاثية التابعة للهلال الأحمر الإماراتي. حتى إن بعض الروايات، تشير إلى أن قادة في عدن عمدوا إلى تخزين السلع الإستهلاكية في «هنغارات» غير مبرّدة، وهو ما أدى إلى تلفها في وقت يتهدد فيه خطر المجاعة مئات الآلاف.
إزاء تلك الحقائق جميعها تحاول القوى الجنوبية الأخرى التي امتنعت طيلة أشهر عن إعلاء صوت، أو اتخاذ موقف مساند للعدوان، إستيعاب التطورات في الجنوب توطئة للإمساك بزمام المبادرة. مصدر جنوبي يكشف أن الرئيس الأسبق لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية علي ناصر محمد، والزعيم الجنوبي حسن باعوم، وعدد من الشخصيات يعدون لمؤتمر جنوبي جامع في بيروت، بعدما لم يلقوا من العاصمتين المصرية والأردنية إشارات إيجابية على هذا الصعيد. المؤتمر المزمع انعقاده قريباً يفترض أن يخرج بخطة عملياتية لمواجهة «الغزو القاعدي الإخواني» للجنوب. خطة يمكن أن تبدأ بالحضّ على تظاهرات شعبية مناوئة للقوى التي عبّد العدوان السعودي الطريق أمامها في عدن، وقد لا تنتهي بالدخول في مواجهة مباشرة مع «الميليشيات التي تعيث فساداً وتخريباً على أرض الجنوب وتحديداً في عدن»، وفقاً للمصدر نفسه.