حراك دبلوماسي تزداد كثافته يوماً بعد يوم، يحجب غيوماً ملبّدة تتهدد المنطقة بشتاء قاس قد يمتد لسنوات. مبادرات من كل حدب وصوب لحل سوري ويمني وحتى عراقي، تصطدم بوقائع الميدان وتناقضات القوى المعنية. بيئة إقليمية غير حاضنة لتسويات سياسية وأخرى دولية تستعر فيها المواجهة الأميركية الروسية، وفق قواعد اشتباك ترتفع حماوتها، بات واضحاً أن الشرق الأوسط أصبح ساحتها الرئيسية، وعلى وجه الخصوص سوريا.


حسين أمير عبداللهيان اليوم في بيروت حيث يلتقي المبعوث الأممي ستيفان دي مستورا، على أن ينتقل مباشرة الى دمشق للقاء كل من الرئيس بشار الأسد ووزير الخارجية وليد المعلم يوم غد. زيارة المعلومات المتسربة منها تفيد بأن الموضوع الأساس على جدول أعمالها تسويق المبادرة الإيرانية للحل السوري.
قبلها بأيام، كان ثلاثة من زعماء المنطقة في زيارة بالغة الأهمية والدلالة لموسكو. الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووليّ عهد أبو ظبي محمد بن زايد والملك الأردني عبدالله الثاني. موضوعان رئيسيان كانا على جدول الأعمال: الأول، أولوية مواجهة «داعش» الذي يبدو أن هناك إجماعاً بين القادة الثلاثة والرئيس فلاديمير بوتين على أنه بات يشكّل الخطر الأكبر على دول المنطقة، كما بات يهدد الأمن القومي الروسي، بحسب حسابات قادة الكرملن. وعليه، تتكثف الجهود لتشكيل تحالف دولي ضد «داعش» مؤلف من روسيا وسوريا والإمارات والأردن ومصر ضد التنظيم الإرهابي، بديلاً من التحالف الأميركي الذي لم تثبت جدواه بعد.


عبد اللهيان إلى دمشق
اليوم للقاء الأسد والمعلم لتسويق
المبادرة الإيرانية

أما الموضوع الثاني، المرتبط بالأول حكماً، فكان إجماعاً على ضرورة الحفاظ على النظام السوري الذي سيؤدي انهياره إلى فوضى لن يستفيد منها سوى «داعش». وبما أن الأطراف الأربعة متفقة على أن النظام السوري مبني على حجر زاوية هو الرئيس، فإن مطلب الإبقاء على تماسك النظام لا ترجمة عملية له سوى السعي إلى الحفاظ على بشار الأسد في قيادته. نتيجة (تؤيدها الكويت وسلطنة عمان) تعني أمرين: الأول، البحث في كيفية العمل على إقناع السعودية بتلك الخلاصة. أما الثاني، فمبادرة روسية مصرية تبقي على الأسد على رأس النظام مع احتفاظه بملفات ثلاثة هي الدفاع والداخلية والخارجية، وذلك في إطار تقاسم للسلطة تأخذ فيه المعارضة الوطنية حصتها من الوزارات الخدماتية. أما بناء المبادرة على ركيزتين، روسية ومصرية، فتعطيها، بحسب العارفين، ثقلاً دولياً مسنداً الى تفويض أميركي لموسكو بخطوة كهذه، وثقلاً عربياً سنيّاً يعطي المبادرة مشروعية إقليمية. بل أكثر من ذلك، يكثر الحديث عن ضغوط أميركيّة جديّة على كل من تركيا والسعودية (على خلفية زيارة الملك سلمان لواشنطن الخميس) في سبيل ضمان تورط فعلي لهاتين الدولتين في الحرب ضد «داعش». ضغوط تم التعبير عنها بأول غارة تركية على التنظيم في سوريا قبل أيام.
حراك ومبادرات أول تحدياتها الأساسيّة تعنّت سعودي، زادت من تصلّبه التطورات الميدانية الأخيرة في اليمن. وثانيها تمسك تركي بمقايضة استهداف «داعش» بالعمل على إسقاط الأسد. وثالثها، رفض إسرائيلي يعبّر عن نفسه في الحراك الصهيوني في الجنوب السوري.
لكن الأهم، على ما تفيد أحاديث الصالونات السياسية، قرار روسي بحرب مفتوحة ضد الولايات المتحدة في المنطقة، محورها سوريا التي بات محسوماً أنها في عقل الكرملن تعتبر درة تاج وحاملة الطائرات الروسية في المنطقة. باختصار، هي جزء من العقيدة العسكرية الروسيّة. كلام ليس للاستهلاك، في ظل معلومات نقلها الاعلام العبري عن مصادر دبلوماسية غربية عن بدء روسيا تدخلها العسكري المباشر في الحرب السورية خلال أيام. معلومات تتحدث عن وصول طلائع قوات مقاتلة روسية ستتمركز في مطار عسكري في منطقة دمشق يكون تحت الإمرة المباشرة للرئيس الأسد. مطار سيحتضن آلاف العسكريين والطيارين الروس بمعداتهم الكاملة. هذا طبعاً من دون الحديث عن ميناء طرطوس الذي يفترض أن يتحول إلى قاعدة دائمة لأسطول روسي في المتوسط (قرار متّخذ من عام 2008)، ولا عن مخازن أسلحة استراتيجية روسية يقال إنها لا تزال موجودة في سوريا، ولا عن مئات الخبراء والضباط الروس المنتشرين منذ سنوات في أكثر من مكان في سوريا، ولا عن المشاركة الروسية في إدارة العمليات العسكرية، سواء على مستوى التخطيط أو الإشراف المباشر وعبر الأقمار الاصطناعية... حرب مع أميركا، تأخذ شكلاً أمنياً واستخبارياً على الساحة التركية، وإطاراً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً على الساحة المصرية...
أما الأكثر أهميّة فما يحكى عن قرار سوري حاسم برفض أي تسوية، منطق الأمور يقول إنها لا بد أن تتضمن تنازلات من النظام يرفض تقديمها. بل يقال إن في دمشق قراراً واعياً واستعداداً كاملاً، رغم الاستنزاف المستمر في الموارد البشرية والمادية، لخوض معركة طويلة الأمد، الحسم فيها للميدان (من مؤشراتها إرسال الفرقة الرابعة، المكلفة بحماية دمشق، للقتال في الشمال السوري). قرار الرهان فيه على إرادة سورية صلبة وعلى دعم الحلفاء القريبين والبعيدين، وعلى عامل الوقت الذي ترى دمشق أنه يجري لمصلحتها. من نتائجه تحوّل لمصلحة نظام الأسد في موقف الإمارات والكويت التي تفيد التسريبات بأنها أدت دوراً رئيسياً في الزيارة الشهيرة للواء علي مملوك لجدة. تقارب مصري مع دمشق بلغ حداً تستعد فيه القاهرة لتسمية الدبلوماسي أحمد حلمي، الذي كان من عداد طاقم سفارتها في بيروت، قنصلاً عاماً مصرياً في سوريا. بل يتحدث البعض عن شحنة صواريخ مصرية (من طراز «غراد») وصلت ميناء اللاذقية من الاسكندرية أخيراً. كلام الأسد الإيجابي عن القاهرة والعلاقات معها ليس نابعاً من فراغ. كذلك الأمر بالنسبة إلى حديث وليد المعلم إلى جريدة «الأهرام» وتلفزيون «النهار».
حراك دبلوماسي يعتاش على آمال كاذبة أشاعها التفاهم النووي الإيراني، أو بالأحرى على قراءة خاطئة للاتفاق وتداعياته سعت أكثر من جهة الى الترويج لها، بعضها بنيات حسنة، لكن غالبيتها عن سابق تصور وتصميم، مراهنة على تمايزات إيرانية داخلية يمكن توظيفها على الساحة الإقليمية.
ساعة الحقيقة قد دقت. جرسها الأول لعلع يوم وقف عادل الجبير في موسكو يجدد رفض السعودية بقاء الأسد. ظهر وكأنها، من وجهة نظر روسية، كانت فرصة أخيرة للسعودية لم تحسن اقتناصها. جولة عبداللهيان تبدو، في هذا السياق، محاولة اللحظة الأخيرة تجنيب المنطقة جولة جديدة من التصعيد، قواعد الاشتباك فيها دولية الأبعاد. فهل هناك من لا يزال يشك في أنها حرب أممية تُخاض على أرض سوريا؟