مشتى الحلو | لن يمرّ وقت طويل على وجودك في بلدة مشتى الحلو السياحية التي تبعد 45 كلم شرقاً عن طرطوس، مواجهاً لجبل السيدة المهيب، قبل أن تحلم ببيت يجاور «قداسة الهدوء» المحيط بها خارج صخب المدفعية والقذائف التي تحاصر مُعظم المناطق السورية.


الازدحام اليومي خلال فترة بعد الظهر، أمر لافتٌ. أهالي البلدة ونازحون وزوار يجلسون في مقاهي ساحتها، فيما البعض افترش أرصفتها. هنا لا تمييز بين السوريين، إذ تفخر البلدة بأنها لم تفرّق بين النازحين فيها. إلا أنه يحلو للمسيحيين النازحين أن يلجأوا إلى هذه البلدة «المسيحية السياحية»، هرباً مما عانوه في قراهم وبلداتهم المنكوبة بسبب «اختلافهم». يقيم في البلدة شتاءً قرابة أربعة آلاف شخص، حالياً ارتفع العدد ليصل الى ما يزيد على 15 ألفاً بعد أن لجأ اليها سكان من حمص وحماه.
ارتفاع كلفة المعيشة في «المشتى» لم يمنع السكان الحاليين من «المُغالبة» في سبيل البقاء. أما النازحون فلا يخفون أيضاً شكواهم من غلاء الأسعار.
«إيجار شقتنا يبلغ 20 ألف ليرة وأسعار المواصلات جنونية، فلا يُمكن التحرك هنا اعتباطياً. حالات الخطف المُتكررة تجعلنا نتعامل مع سائقين مُحددين، لذلك يرتفع المبلغ أحياناً»، تقول برناديت النازحة من حمص شاكيةً. وتضيف مُبتسمةً: «أراقب الجمال من حولي وأقول كنت أفضل أن أعيش في شقة أصغر وإيجارها أرخص. لم أتمنّ أن أقيم في منطقة سياحية». المرأة تشتاق الى بيتها المتواضع في حمص الذي دُمرّ: «نحن النازحين لا نحتاج الى كل هذه الرفاهية. أحياناً أقف أعلى جبل السيدة ولا أصدق أنني نجوت من الموت».

الطريق إلى المشتى... وإلى الحياة

الطريق إلى «المشتى» يعجّ بصور الشبان الشهداء. أهالي الشهداء يبتكرون أساليب لتزيين الصور وتنظيمها بأشكال متوازية على الطرق الجبلية. هكذا يواسي أهالي المنطقة أنفسهم بعد فقدانهم «خيرة الرجال».
الأشجار المُتفحّمة بجوار مركز حماية الحرائق في عين عفان تستوقف المارين قبل الوصول الى مشتى الحلو. هذا المشهد يبعث على الشعور بوحشة إضافية، فحتى الشجر لم يسلم من الموت.


حالات الخطف المُتكررة تجعلنا نتعامل مع سائقين مُحدّدين

تماثيل النساء شبه العاريات البيضاء المُنتشرة في شوارع «المشتى» تلفت النظر، فيتبرع أحد الأشخاص بالشرح أنها «تماثيل فنية تعود إلى أيام ملتقى النحت الذي احتضنته البلدة ما قبل الحرب السورية. نظّمه الفنان السوري المعارض فارس الحلو، وكان يشارك فيه نحاتون عالميون». يتذكر بعض أبناء «المشتى» سنة 2007، حين كانت البلدة تعجّ بالنحاتين ويؤمّن الحلو ما يلزم من أجل إنجاح «المُلتقى». فرحته لا تغيب عن بالهم يوم فاجأهم الرئيس بشار الأسد وعائلته وزارهم تقديراً على الجهد الذي كان الحلو يبذله من أجل الفنّ. الأزمة السورية أخرجت الحلو من البلاد، فيما بقيت المنحوتات تُزيّن الشوارع.

«الفن يخلّص العالم»


حالياً، يستمر شباب مشتى الحلو في تنظيم الفعاليات الثقافية والفنية. صحيح أن الحلو رحل، لكن «المشتى» زاخرة بشبّان شكلوا «الملتقى الثقافي العائلي»، الذي ينظم تظاهرة ثقافية تحت عنوان «الفن يخلص العالم». ويظهر الإصرار على حصول التظاهرة التي بدأت في 30 آب وتستمر حتى العاشر من أيلول، كنوع من التحدي المدني المواجه للحرب ولرتابة الحياة. يأتي ذلك في ظل الاهتمام بعرض أفلام سينمائية وتسجيلية وأمسيات موسيقية، إضافة إلى أمسية شعرية للشاعر السوري نزيه أبو عفش ولقاء مع الفنان السوري بسام كوسا، وذلك ضمن نشاطات التظاهرة. عضو لجنة التنظيم في الملتقى، رانيا عنتر، تصفه بأنه «ملتقى ثقافي عائلي، وهو تجمع من الشباب الذين يعملون بهدف نشر ثقافة الحياة»، مضيفة «لدينا دورات رسم وموسيقى لكل الأعمار، إضافة إلى ناد سينمائي يعرض أفلاماً أسبوعية للكبار والصغار. وننظّم مهرجان دلبة مشتى الحلو سنوياً». مهرجان هذا العام كان الثالث، الذي يُنظم على الرغم من الحرب الدائرة في البلاد. تتحدث عنتر عن أن المهرجان «تضمن معارض رسم ونحت لرسامين ونحاتين سوريين وحفلة غنائية ملتزمة. كذلك عُرضت حفلة لفرقة باليه، إضافة إلى حفلة لكورال المشتى». ابنة «المشتى» ترى أن غلاء الأسعار في المنطقة يعود «إلى عدم وجود أي دخل لأبناء المشتى سوى السياحة. فهم يعتمدون على أرباح أشهر الصيف لتأمين معيشتهم في الشتاء». تقول عنتر إن «النازحين غيّروا قليلاً من أجواء المشتى، فهم حرّكوا شتاء النشاط الاقتصادي والأسواق في البلدة. أما الضغط السلبي الأكبر فتواجهه مدارس المشتى اليوم بفعل تضاعف عدد السكان». وبالنسبة إلى الأبناء المغتربين، فتصف عنتر دورهم بـ«الايجابي». فهم يُساهمون في «صمود أهالي المشتى، رغم ارتفاع مستوى المعيشة الخانق بفعل الحرب».