كثيرة هي اعتراضات القوى السياسية العراقية، من مختلف مشاربها، على أداء رئيس الحكومة حيدر العبادي. لكن الاعتراض الأكبر هذه الأيام، على استفراده بالقرارات التي يتخذها من دون الرجوع لأي منها.

الحديث هنا ليس عن القوى المناوئة للرجل التي بات واضحاً أنها ترى أن طبيعة النظام السياسي القائم على التوافق تمنع رئيس الحكومة من التفرد بالسلطة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقرارات تمسّ ركائز هذا النظام، من مثل إلغاء مناصب كبرى في الدولة، أو تعديل بنية الحكومة وما إلى ذلك من الأمور.

المشكلة اليوم هي في القوى الحليفة للعبادي، والمقصود على وجه الخصوص المجلس الأعلى والتيار الصدري. حتى حزب «الدعوة»، أو بالأحرى جناح منه، مستاء مما يجري. قوى كانت السبب، هي ودعم المرجعية والرعاية الأميركية، في وصول العبادي إلى منصبه خلفاً لنوري المالكي. تعقد، منذ مدة، اجتماعات مصغرة في ما بينها للتنسيق. لا تطلب من رئيس الحكومة سوى التشاور معها، كحليف وشريك في الحكم، قبل اتخاذ القرارات المصيريّة. سقف مطلبها أنها تريد أن تعرف بقراراته مسبقاً لا أن تسمع بها عبر شاشات التلفزة.
«يتصرف على قاعدة: من يريد أن يمشي معي فأهلاً وسهلاً، ومن لا يريد فليرصف البحر»، جملة تُسمع كثيراً في الدوائر السياسية العراقية. «يعتقد نفسه (الرئيس المصري عبد الفتاح) السيسي... يريد تفويضاً من الشعب» لتغيير النظام.
حسناً.ساسة العراق وضعوا
أنفسهم قيد إقامة جبريّة وأصبحوا محترفي «فايسبوك»
إذا كان الحال كذلك، فالسيسي لديه المؤسسة العسكرية خلفه، بأجهزتها كافة، وخاصة الاستخبارات العسكرية التي كان يقودها وعزز من وضعها بشكل أصبحت تتحكم فيه بمفاصل الدولة. كذلك يحظى السيسي برعاية دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات اللتين وفّرتا له دعماً مفتوحاً، وقوى دولية مناوئة للولايات المتحدة تريد أن تجد لنفسها موطئ قدم في شمال أفريقيا، فضلاً ـ طبعاً ـ عن الدولة الجارة، إسرائيل، التي رعت وباركت. هذا إن لم نتحدث عن الدعم الشعبي العارم الذي حظي به منذ اليوم الأول لوقوفه في وجه الرئيس الإخواني محمد مرسي.
فإلى من يستند العبادي، هو الذي كان سياسياً مغموراً جاء إلى السلطة بانقلاب سياسي على نوري المالكي، نفّذ في ليلة مظلمة بتحالف فريق من حزب «الدعوة» مع الصدريين والمجلس الأعلى وبرعاية ومباركة من المرجعية؟ علماً بأنه لم يعد لديه من سند اليوم في الداخل العراقي سوى عباءة النجف، وبعض «الدعوة» يتقدمهم علي العلاق... وحسين الشهرستاني؟
الروايات المتداولة في بغداد تتحدث عن دعم غير مسبوق قدمه باراك أوباما بنفسه لرئيس الوزراء العراقي. نوع من حصانة، سياسية واقتصادية وعسكرية، ضد أي محاولة لإسقاطه، سواء في الشارع أو تحت قبة البرلمان، أو بانقلاب يمكن أن ينفذه «الحشد الشعبي» الذي لا ترى فيه واشنطن سوى تعبير عن النفوذ الإيراني في العراق. وهو ما يضع العبادي، سواء أراد ذلك أو لم يرد، ضمن حلبة الصراع الأميركي الإيراني، إلى حد بات فيه السؤال اليوم حول متى تقرر طهران كسر الجرة وتوجيه ضربة للأميركيين في بلاد الرافدين عبره؟
واقع فتح الباب أمام تساؤلات من نوع آخر، تركز على الخليفة المحتمل للعبادي. لا يوجد سوى اسم وحيد قيد التداول: زعيم منظمة بدر وأحد القادة الرئيسيين للحشد الشعبي، هادي العامري، الذي يبدو أنه يمهد الطريق لرئاسة الحكومة بالعمل على تحسين علاقاته بكل من التيار الصدري والمجلس الأعلى.
صراع متعدد الأبعاد والاستهدافات يجري في ظل مشهد كاريكاتوري يجتاح العراق: سياسيون لا يغادرون منازلهم وكأنهم قيد إقامة جبرية - اختيارية. يحاولون تجنب عدسات كاميرا تلتقط لهم صورة تفتح العيون عليهم. باتوا جميعاً من محترفي الإبحار عبر موقع الفايسبوك. كل منهم يترقب اللحظة التي سيخرج بها اسمه إلى التداول عبر الفضاء الإلكتروني. وهم في ذلك معذورون. في النهاية، هم يشاهدون، منذ أسابيع، زعماء العراق تتمرّغ أنوفهم في التراب. ما نجا أي منهم من التهشيم، بالصورة أو بالشعار، أو بالفضائح الموثقة عن صفقات مشبوهة وسندات ملكية لعقارات يحوزونها في البلد والخارج، وأيضاً نسخ من القرارات المخالفة للقانون التي اتخذوها. وثائق لا يمكن أن تحصل عليها سوى جهات استخبارية دولية الانتشار، تعزز مقولة تورط أجهزة إقليمية وأممية في التحريض على الحراك العراقي وتوجيهه.
وحده السيد مقتدى الصدر بقي خارج هذا الهجوم، لأسباب متعددة يعيدها البعض إلى حقيقة أنه أبقى نفسه بعيداً عن عالم الأعمال والصفقات (علماً بأن رمز الفساد الذي استهدفته الظاهرات كان بهاء الأعرجي المحسوب عليه). بل إنه لطالما عاقب بنفسه الحالات النافرة ضمن تياره، وكان آخرها قبل أشهر عندما جمع حفنة من الفاسدين من المقربين منه، ممن كانوا يصادرون الأراضي ويفرضون الخوات، بعد شكاوى الناس الكثيرة، ووضعهم في أقفاصٍ حديدية تحت شمس محرقة في يوم لاهب، وفرض عليهم إعادة الجزء الأكبر مما نهبوه إلى المتضررين. وللمفارقة، وقتها احتج العبادي على «هذا التصرف البربري الذي يسيء إلى صورة الدولة»، فكان رد الصدريين أنه سبق أن سلموا الفاسدين منهم للسلطة، فما كان منها إلا أن أطلقتهم خلال أيام بعدما قدموا الرشى للمعنيين.
مشكلة التيار الصدري، إضافة إلى اعتراضه على سلوك العبادي، أنه لا يرى في العراق سوى نوري المالكي. يريد إغلاق الطريق أمام أي احتمال لنجاحه في تولي زعامة «الحشد الشعبي». عداؤه له بلغ مستويات لم تعد مفهومة، خاصة أنه بات خارج المعادلة التي يصارع من أجل العودة إليها. هو، أي التيار، مصر على تقديم المالكي على أنه المحرك الأساس لكل ما يجري في البلاد. لا شك في أن الحفاوة التي استقبل بها الرئيس السابق في طهران استفزت الصدر الذي أعلنها صراحة ذات يوم من عام 2006 «إما المالكي رئيساً للحكومة أو أحرق البلد». يبدو واضحاً أن السيد مقتدى لم يلتقط بعد حقيقة أن المالكي ما عاد يمثل نفسه، بل تحول إلى عنوان عراقي لمحور إقليمي - دولي، مثله مثل العبادي الذي بات الرمز العراقي للمحور المقابل.