دمشق | «ماذا أقول لشرطي السير؟ هل أشرح له أنني خائف من القذائف التي تتساقط على رأسنا كالمطر، فأسرع في القيادة أسوة بالكثير من المواطنين «المدعومين»؟ وأن تقيّدي بالحزام قد يعوق هربي من أية قذيفة محتملة، أو شظية متطايرة؟» هكذا يشرح أبو زياد، المواطن السوري الأربعيني، حاله مع مخالفات السير التي يتعرّض لها. يقيم أبو زياد قرب أوتوستراد المزّة، في العاصمة دمشق، وهو يقوم بإيصال ولديه، وإحضارهما من النادي الرياضي كلّ يوم، رغم القذائف التي تمطر العاصمة.


وخلال الأشهر الفائتة، تعرّض لعدد من المخالفات المرورية، بسبب «عدم التقيّد بحدود السرعة، وحزام الأمان». يهزأ الرجل، في الظروف التي تمرّ بها البلاد، بتطبيق القانون وفق ما يقتضيه مزاج المسؤولين، ولا سيّما في الأمور الظاهريّة، فيما «يحتاج سكان العاصمة أموراً جوهرية، لا يكلّف المسؤولون أنفسهم عناء التفكير بها»، يقول أبو زياد. ويبدو المواطن السوريّ اليوم عاجزاً عن فهم سياسات حكومته الداخلية، في ظل قدرتها الدائمة على بثّ الدهشة في النفوس، من خلال الحرص على تطبيق القوانين، ظاهرياً، في المدن الواقعة تحت سيطرة الدولة السورية.
«أين الأمان في الحزام، فيما لو سقطت قذيفة؟ كيف أتحرك أو أزيل الشظايا؟» يسأل زيد، مبتسماً، شرطي السير، بعد نيله المخالفة، ويتابع وهو عائد إلى سيارته: «كيف يمكن التعلق بمثل هذه التفاصيل في أيام الحرب؟». يبدو الجواب على سؤال زيد، وغيره من المواطنين السوريين، عويصاً في زمن الحرب، حيث النجاة من الموت هي هاجس الإنسان الوحيد، بينما يبدو منظّرو الحكومة السوريّة غير معنيين بكلّ ذلك، ما يدفع المواطنين إلى السخرية من الانضباط الواهي، في دولة تسودها المحسوبيات والفساد، ويغيّب فيها القانون، في زمن الحرب.


صبر الناس لا يعدو كونه ولاءً لوطن يضحي جنده دفاعاً عن شعب مخنوق

اللافت في العلاقة بين المواطن السوري وحكومته، أن كلّ الأمور باتت مكشوفة، وصبر الناس لا يعدو كونه ولاءً لوطن يضحي جنده دفاعاً عن شعب مخنوق. «الحكومة تستغل الأمر» تقول سناء، موظفة حكومية، وتتابع: «ماذا تتوقع من حكومة يقول رئيسها إن وضع الكهرباء إلى تحسّن، فتزداد ساعات التقنين في اليوم التالي، وكأن لا سلطة له على فريقه الحكومي، أو أنه يحيا في عالم آخر؟ إنهم يستغلون موالاة المواطنين للجيش، فيتلطّون تحت هذا الولاء لاتّباع جميع أساليب التضييق على الناس الصابرين». وتضيف شارحة واقع الحال: «أتسلّم فواتير الكهرباء، وأذهل كل مرة. الفواتير تراعي الغلاء المعيشي، وارتفاع سعر الدولار، والهدر الذي قد يحصل في كل بيت. لكن لا تراعي أبداً أننا لا نرى الكهرباء إلا ما ندر. الحكومة تجلدنا مادياً، كما لو كنا مرفهين في أيام ما قبل الحرب، عندما كان انقطاع التيار الكهربائي أمراً نادر الحدوث». وفي تعقيبها على التغيير الحكومي الأخير، ترى سناء أن «تغيير وزيرين من الحكومة الحالية ليس هو ما ينتظره شعب سئم استهتار المسؤولين بمتطلباته».
وفيما يلتزم خالد دفع فواتير المياه والكهرباء، فإنه يفعل ذلك خوفاً من العقاب، الذي تفرضه الدولة على المتخلفين من أبناء المناطق الخاضعة لسيطرتها، فيما تظهر الكثير من التسامح مع المناطق التي سبق أن تمرّدت عليها. «أخشى أن أتأخر في دفع الفواتير فتحرمنا الحكومة عطاياها. ويحضرني حينها تسامح الدولة مع المناطق التي تمرّدت على السلطة، وخرجت من جلبابها» يقول خالد، ابن حي ركن الدين، في دمشق، ويتابع شارحاً: «الحكومة تغاضت عن المخالفات، والتأخر في دفع التزامات الأهالي، في مناطق عدة، بغرض كسب ودهم ومنعهم من التمرد المسلح. ولكن في النهاية، نحن أبناء الدولة، الذين حميناها، فيما لم تنجح مصالحاتهم، وتسوياتهم مع المسلحين، في توفير ضمان حقيقي يحمي البلاد حتى الآن».
ولا يختلف واقع خدمات الاتصالات عن واقع المياه والكهرباء. فللاتصالات فواتيرها أيضاً، وكذلك ارتباطها بواقع الكهرباء التي تعتمد عليها لتشغيل أبراجها. وكان قطاع الاتصالات قد شهد زيادة في أسعار المكالمات الهاتفية، في شهر نيسان الماضي، تحت الشعار الذي أطلقته المؤسسة العامّة للاتصالات «بتفهّمكم نستمر». ويعلّق أمجد، طالب جامعي، على ذلك قائلاً: «لا تغطية دون كهرباء، باعتبار أبراج التغطية تعتمد على التيار الكهربائي. نحن معزولون عن العالم خلال انقطاع الكهرباء، وعندما تعود، قد يخيب أملنا في التواصل مع أقاربنا في مناطق لا كهرباء فيها»، ويرى أمجد أنّ رفع أسعار الاتصالات كان بمثابة الاستهزاء بالمواطن: «شركات الخلوي لم تقدم أي خدمات متعلقة برفع جودة الاتصال، لكنها فرضت على المواطنين دفع الفواتير، وكأنّ البلاد لا تشهد حرباً».
وسط كلّ ما يعيشه السوريون من أهوال الحرب، فإنهم يضحكون غارقين في شرّ البليّة، بعدما وجدوا أنفسهم ضحيّة تجار الأزمة، والمسؤولين الفاسدين، وعاجزين عن الإتيان بأي اعتراض، مفتقدين لقانون عادل ينصفهم، لا يكفّ رجال الدولة عن التشدّق به ساعة يشاؤون.