جنباً إلى جنب يتعايش سكان عين الحلوة مع مكبات النفايات. فعلى مداخله الأربعة، ووسط أحيائه تنتشر هذه المكبات وتتكدس نفاياتها ناشرة، إلى روائحها المقيتة، الأمراض على أنواعها. المشكلة لا تقف هنا، فالنقص في عدد عمال التنظيف وآلياته، غالباً ما يؤدي إلى تكديس النفايات وتالياً إلى تفاقم الأزمة.


سوزان هاشم
«طفح الكيل»، والكيل هنا لا يعني فقط الصبر مجازاً، بل أيضاً مكبات النفايات التي طفحت هي أيضاً، ببرغشها وجراثيمها وروائحها. لم يعد بوسع كاترين عبد الهادي أن تحتمل وضع المكب الملاصق لمنزلها. توجّهت بكل غضبها إلى أقرب مركز تابع لوكالة الأونروا، في مخيم عين الحلوة صارخةً بوجه المسؤولين: «مش معقول هيك»، مطالبةً بإيجاد حلّ للروائح التي تفوق الوصف والتي تنبعث من «تكويم النفايات في المكب الملاصق لمنزلي»، وما ينجم عن تراكمها بقرب البيت من أمراض ومشاكل. حدث ذلك منذ فترة، حين قررت الفتاة أن «تفش خلقها»، بعدما تردّت حالتها الصحية. «حتى الأدوية لم تعد تجدي نفعاً في مقاومة أمراض الربو والحساسية التي تأبى أن تفارقنا»، تشكو كاترين معاناتها كما جميع سكان المبنى الذين تتقاسم معهم العيش، مردفةً بأن المشكلة لا تتوقف فقط عند الروائح المنبعثة من المكبات، لتتعداها إلى ما يمكن أن تستقطبه تلك النفايات من «حشرات وجرذان وحتى أفاع تكزدر يومياً داخل أرجاء منازلنا، وبين المقاعد والفرش والألبسة، مش معقول! حياتنا وحياة أطفالنا على حافة الخطر الدائم».
ولكن ما الذي يدفع بهؤلاء السكان إلى المغامرة بحياتهم وسلامتهم الصحية يومياً والسكن جنباً إلى جنب مع النفايات؟
«حكم علينا بالعيش هنا، ولو معنا مصاري كنا تركنا من زمان»، هكذا تجيب أم جابر والغصة بادية في صوتها. تشرح ظروف العائلة التي أدّت إلى السكن في هذا المكان المزري، بعدما خدعوا «انضحك علينا، تقول، بعدما أوهمنا بائع المنزل بأن النفايات مؤقتة، لنفاجأ بأننا نسكن بجانب مكب دائم. راجعنا وكالة الأونروا فوعدتنا بإزالتها، دون فائدة. ما دفعنا لمطالبتها مجدداً فنكرت ما وعدتنا به». هكذا خضعت أم جابر كما غيرها من السكان «للأمر الواقع»، في ظل استحالة الانتقال إلى مكان آخر نظراً للحالة المادية الصعبة التي يرزح تحتها هؤلاء.

تعاني الوكالة نقصاً في الجهاز البشري المولج القيام بأعمال التنظيف
هذه الظروف تبدو مشابهة بالنسبة لجميع السكان الذين يجاورون مكبات النفايات المنتشرة على مداخل المخيم الأربعة، أضف إلى المكبات «غير الرسمية» التي تتوسط أحياءه المكتظة سكنياً. فعلى المدخل التحتاني من المخيم، ترزح عشرات العائلات تحت أسقف الزينكو ضمن تجمع أوزو، تعيش على تماس مباشر مع مستوعبات القمامة، بحيث لا تملك خياراً بديلاً بعدما «تأقلمنا مع هذا الواقع المبكي»، تقول أم لؤي العلي التي استقرت في هذا التجمع بعد تشرّدها من مخيم النبطية. تصف العلي المحيط حيث تعيش، بالـ«عادي»، فالشعب الفلسطيني «معتّر أينما وجد، فقد اعتدنا على حرماننا من الحقوق الصحيّة كما المدنية».
وفي مكان آخر من المخيم أو بمحاذاة مكب نفايات آخر، باتت هالة عبد الهادي وكأنها نزيلة دائمة في المستشفى، فلا يكاد أحد أطفالها يشفى من الأمراض التي تسببها القمامة (إسهال، أمراض صدرية وتنفسية) حتى يصاب آخر، هكذا نصحها الطبيب بضرورة تغيير المنزل، والانتقال إلى بيئة أقل تلوثاً، وإلا فهذه الأمراض ستظل ملازمةً لأطفالها.
وكما المنازل، يعاني أصحاب المحال المحاذية من مستوعبات النفايات «التي غالباً ما تتكوّم فيها فضلات اللحوم وغيرها، ما يجذب الجرذان إلى تلك الأمكنة وما يحيط بها». يقول ثائر عبد الهادي، وهو صاحب أحد محال المفروشات المجاورة، إن «الجرذان تتسلل إلى داخل محله دائماً وتأتي على البضائع وهي بمعظمها من الخشب فتقرضها وتتلفها». ويشكو التاجر من التأخر بإزالة النفايات، لا سيّما نهار الأحد، وهو يوم عطلة عمال النظافة.
علماً بأن هذه النفايات يزيلها مرة واحدة صباحاً عمال النظافة في وكالة الأونروا، عبر آلية نقل واحدة، تابعة للوكالة بحيث تُنقل إلى جبل النفايات في صيدا.
في المقابل، يشير عضو اللجان الشعبية أبو المعتصم تيسير، إلى أن اللجان «كانت قد توجهت مراراً وتكراراً إلى الأونروا، برسائل وبمذكرات تطلب خلالها أن تزيل النفايات من المكبات، مرتين على الأقل في النهار، بدلاً من مرة واحدة، بيد أنها لم تتجاوب إلا جزئياً، وفي ما يختص فقط بمطلبنا برش المبيدات». ويضيف تيسير «إلا أن المشكلة الأساسية هي النقص في الجهاز البشري المولج القيام بأعمال التنظيف والذي لا يتعدى 47 موظفاً، موزعين بين إداريين وعمال، وهو مخالف لقانون الأونروا الذي يفرض أن يكون لكل 1000 نسمة عامل واحد، إذ إن عدد سكان المخيم يقارب 76 ألفاً بين مقيّد في سجلات الأونروا ومهجر من مخيمات أخرى، بيد أن الوكالة لا تأخذ إلا بعدد المدوّنين في سجلاتها». يستغرب تيسير هذا التقصير الفادح بحق صحة اللاجئ الذي لا يتمتع بالحد الأدنى من الشروط الصحية والبيئية، والناجمة بمعظمها عن سوء تنظيم مكبات النفايات.
بيد أن هذه النفايات لا تبدو مقتصرة أضرارها على جيران المكبات، بل على كل السكان في عين الحلوة، «فالروائح والحشرات والجرذان لا تستثني قرنة»، يقول فادي حوراني محمّلاً «المرجعيات كافة مسؤولية تدهور الوضع البيئي وتالياً الصحي في المخيم».


«مشكلة مكبات النفايات»، وكل ما يتفرّع عنها من تداعيات بيئية وصحّية خطيرة، «ستستمر إلى ما لا نهاية». هذا ما «يبشرنا» به على الأقل مسؤول مطّلع على الملف في وكالة الأونروا في عين الحلوة، رفض الكشف عن اسمه، مشيراً إلى أن «لا حلول قريبة أو حتى بعيدة تلوح في أفق الوكالة»، مردفاً أن هذه المكبات أُنشئت أساساً قبل التجمعات السكنية التي تقع أصلاً بمعظمها خارج خريطة المخيم الرسمية، ويستحيل إزالتها لانعدام البديل. كما ينفي المصدر عينه أن يكون هناك نقص في عدد عمال النظافة، مستنداً إلى معيار عدد السكان المسجّل لدى سجلات الوكالة فقط.