معاذ عابد

أحمد، طفل فلسطيني يعيش في ليبيا حيث يعمل والده مهندساً عسكرياً في منظمة التحرير الفلسطينية، ويسكن طرابلس الغرب، عاصمة البلاد. وككل أبناء المنتسبين لأجهزة حركة فتح، لم يعرف أحمد وعائلته الاستقرار هنا أو هناك، نظراً لطبيعة عمل الأهل الذين كان يُفترض أن يتنقلوا هنا وهناك بين اليمن وسوريا وتونس وليبيا مع المنظمة بسبب ظروف فرضتها الأوضاع الدولية كحصار بيروت، وكان لزاماً على أحمد وأسرته أن يتعلم الأطفال في المدارس الليبية، وهذا من ضرورات لاإرادية خلقتها ظروف التغريبة الفلسطينية في كل أصقاع العالم. فكان لدى البعض نظرة تفيد بأن العلم والتعليم هو من الأهمية بمكان، وذلك كخطوة للعودة إلى فلسطين والتحرير والحفاظ على حقهم بالوطن المسلوب.
دخل أحمد إلى المدرسة الليبية وسط عدائية الأطفال الآخرين، أولاد البلد، له. وهذه الحالة «طبيعية» تتكرر في حال وجود طالب جديد، وتتحول الروح من العدائية إلى الاحتقار حين يكون الطالب الجديد من جنسية أخرى، وخصوصاً من جنسية مستضعفة.
أحمد عاش الجحيم في المدرسة يوماً بعد يوم. كان اسمها، أقصد المدرسة: «عمر المختار». هكذا كان الطلاب يتفننون بصب كل أنواع الإهانات والأذى عليه، من نوع ضربه على رأسه وهو جالس على مقعده بين الحصة الدراسية والحصة التالية، لا بل إن الأمر وصل بهؤلاء إلى وضع سلة المهملات على رأسه، والتطبيل عليها، و«طبعاً» الغناء بسخرية من الفلسطيني. والمشكلة تكمن في أن أحمد كان يحترف لعبة «الأيكيدو» (مصارعة لي مفاصل) منذ صغره، وهو ضخم الجثة بالنسبة لأقرانه ويستطيع أن يلحق الأذى بأربعة منهم على الأقل، ما يتكفل بدب الرعب في قلوب الآخرين، وبفرض احترامه بالقوة. لكنه لم يفكر باستخدام قدراته، وكان دوماً يعزي نفسه بالقول إن «هذه ليست بلدك أنت غريب فيها». والذي كان يعزيه أكثر وأكثر... أنه بالرغم من سيل الإهانات كان هو الطالب الوحيد الذي يستطيع القراءة والكتابة لأن والدته ووالده قد علماها له قبل دخول المدرسة. هذه «الحوادث» تكررت مع أحمد في معظم العواصم التي مر بها حتى استقر في عمان، وفرض احترامه على زملائه تارة بالقوة وتارة أخرى بحسن معشره، وها هو اليوم يحترف التمثيل ويشق طريقه كالصاروخ في عالم المسرح والمسلسلات التلفزيونية وينال احترام المشاهدين والنقاد والمخرجين. وغداً عندما تحتل ملامح وجهه الشاشة الصغيرة، ويشاهده الليبيون الذين كانوا يضطهدونه في مدرسة عمر المختار سيقول أحدهم لزميله: أليس هذا أحمد الفلسطيني الذي كنا نضربه؟
وسيجيبه الآخر نعم هو بعينه فقد تمكنت من تهجئة اسمه على إشارة البداية للمسلسل...