سجل الجيش اليمني واللجان الشعبية أمس نقطة متقدمة في الصراع على الحدود مع السعودية، حيث نجحا في تنفيذ كمين محكم لمجموعة من الجنود السعوديين بالقرب من موقع مشعل العسكري السعودي في جيزان، ما أدى الى مصرع 16 جندياً وجرح أربعة أخرين.


ونقلت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، عن مصدر عسكري، أن الكمين ترافق مع قصف القوة الصاروخية في الجيش واللجان الشعبية مواقع وادي أبو صلول ووادي الملح ومركز الخوجرة وموقع الخزان ومعسكر المصفق وموقعين في الرمضة إضافة إلى جمارك الطوال ومبنى سلاح الحدود ومبنى قيادة الجيش السعودي في قطاع الطوال، لافتاً إلى أن القصف كان مركّزاً وأحدث إصابات مباشرة أدت إلى اندلاع النيران في أغلب تلك المواقع واحتراق عدد من الآليات العسكرية فيها.
المجريات الميدانية على الحدود باتت ترخي بظلها على الداخل السعودي. وعلمت «الأخبار» أنه بقرار أمني ومراقبة شديدة، تمنع السلطات الامنية والعسكرية في الرياض المواطنين من تداول مقاطع الفيديو المصورة من قبل الاعلام الحربي في «أنصار الله» حول العلميات النوعية الجارية على الحدود. وقد وصل الامر إلى حدّ تسريب تحذيرات من قبل أجهزة الامن السعودية الى عدد من الناشطين، وبينهم إعلاميون، من أن تداول هذه المقاطع عبر الهواتف أو مواقع التواصل الاجتماعي أمر يعاقب عليه القانون.
الدبلوماسيون العرب والاجانب المقيمون بين جدة والرياض ينقلون انطباعات سلبية عن مداولات تجري هناك، وعن المعطيات التي تتدفق من الجنوب، والحديث عن فرار الجنود، ورفض آخرين الالتحاق، وعن ترك آليات ومدرعات ومخازن أسلحة من دون حراسة. كذلك يشيرون الى أن عمليات دفن الجنود تتم بصمت، وأن قرار التعتيم لامس حدود منع مواطنين عاديين من زيارة الجنوب السعودي.


مصرع 16 جندياً سعودياً
في كمين بالقرب من جيزان


الامر الآخر هو الاستنفار الامني القائم الآن في مناطق عسير وجيزان وخصوصاً نجران، حيث تقوم الاجهزة الامنية بعقد لقاءات مكثفة ومتواصلة مع شخصيات محلية من نجران، تحذرهم من أي تواصل مع اليمنيين في الجنوب. ويعمل بعض رجال الدين على استحضار الحروب القديمة بين الزيديين والاسماعليين، بغية إثارة الذعر لدى أبناء نجران. ويجري العمل على استقطاب بعض القيادات القبلية هناك، والطلب في الوقت نفسه من شركات القيام ببعض الاعمال الإنمائية في تلك المنطقة.
لكنّ سعي السعوديين لإقناع أبناء نجران بتشكيل قوة عسكرية تتولى مقاتلة الحوثيين لم تصل الى نتيجة. بل على العكس، فإن عمليات التسلح هناك جارية على قدم وساق، وهناك خشية كبيرة من جانب سلطات الرياض من حصول تمرد في لحظة معينة. وقد ترافق ذلك مع تعزيز السعودية لوجود مدني وعسكري في المنطقة الجنوبية الشرقية لنجران لناحية جيزان، وتعزيز الوجود الوهابي هناك، وسط مؤشرات على صعوبة تفعيل النشاط العسكري، مقابل الهجمات النوعية والمتواصلة ضد القوات السعودية من جانب الجيش واللجان الشعبية اليمنية.
معاناة الرياض من انهيار قواتها في نجران وجيزان وعسير انعكست ارتباكاً على صعيد الموقف السياسي، وهو ما يفسر، برأي أوروبيين، «المرونة المستجدة» في المباحثات التي تجري في مسقط برعاية أميركية ــ أوروبية، وإن لم تصل بعد الى نتيجة نهائية. لكن الواقع على الارض يتفاعل، لأن السعودية تشعر بالعجز عن استرجاع ما خسرته من مواقع حدودية، وهي قلقة أكثر على وضعها الداخلي، خصوصاً أن الشرطة رصدت في الآونة الاخيرة ارتفاع عدد الحرائق في أمكنة كثيرة، إضافة الى حوادث غير مسبوقة تؤدي الى انقطاع التيار الكهربائي ولو لساعات.
ويرتفع منسوب الخشية مع لجوء تنظيمات إرهابية، مثل «داعش»، الى توسيع نشاطها، متّكلة على الاستنفار العسكري والأمني المرتبط بحرب اليمن. ويخشى النظام من استغلال «داعش» الوضع لأجل تفجير مرافق عامة كبرى. وإن الخشية تلامس حدود إقدام ضباط متعاطفين مع الفكر التكفيري على تنفيذ عمليات مؤلمة داخل المملكة.
يضاف إلى ذلك الانقسام القائم داخل الأسرة الحاكمة حيال استمرار الحرب في اليمن. فوزير الدفاع محمد بن سلمان يريد أن يمضي إلى النهاية، بغض النظر عن التكلفة المادية والبشرية. ويعلم بن سلمان أن مصيره كوليّ عهد ثان مرتبط بنجاحه في اليمن أو فشله. في المقابل هناك أمراء آخرون، يتقدمهم وليّ العهد محمد بن نايف، يشعرون بأن بن سلمان يقودهم إلى الهاوية. وهذا ما لمسه الأميركيون الذين يراقبون بقلق وضع حلفائهم في الخليج، الذين خسروا استقراراً وهدوءاً أمنياً تاريخياً. وقد حذرت الولايات المتحدة حلفاءها من أن خطر «داعش» الداخلي أكبر بكثير من حرب اليمن. وإذا استمرت الحرب على ما هي عليه، فإن اليمن سيخرج منقسماً، وسيشكل تنظيم «القاعدة» هناك مصدر الخطر الاساسي على السعودية والإمارات وقطر والبحرين.