هزتني تلك الصورة، حطمتني، زلزلت كياني. لم استفق من الصدمة بعد سيل الشتائم الّا على صوت زوجتي وهي تهزني وصوتها يصيح بي "شو مالك يا زلمي؟ شو في؟ ليش عم تسب هيك شو صاير"؟ لم التفت اليها وبقيت صامتا، مشدوها، وعيناي مسمرتان بجهاز الكمبيوتر، مبحلقا بصورة اطفال في عمر الورود لفظهم البحر غرقى على رمل شاطئ ما في ليبيا.

انسابت من عيني قطرات احسست ملوحتها في حلقي، لم احتمل منظر تلك الجثث لاطفال لم يروا من حياتهم شيئا بعد. اطفال حلموا بغد افضل في بلاد بعيدة. جثث لفظها بحر ارعن، فرماها على شاطئه بلا رحمة.

كانوا عائلة واحدة هربت من ظلم الاشقاء الاعداء، ومن "ربيع" مغشوش اهلك الحرث والنسل وجعل عاليها سافلها. هربوا من ظلم الاعراب والاقارب، فروا من عجز مرجعياتنا وقادتنا غير المبالية، الضعيفة المنهكة والمشغوله بكيفية اقامة الدولة والامارة والتنازع على ما يمكن التنازع عليه. القادة الصامتون صمت القبور في امارة رام الله وامارة غزة، المشغولون بالانقسام والانفصام وترتيب الكراسي والمقاعد. هربوا من وكالة غوث أوجدت لاغاثة الملهوف، لكنها ما زالت تتفنن في "تقليص خدماتها"، واذلال اللاجئين بذرائع واهية مرتبطة بمشاريع الانهاء والالغاء والشطب، متساوقة في ذلك مع ما يعد في مطابخ الامصار والاقطار، متبجحة برفعها علم حقوق الانسان وهي ابعد ما يكون عن حق الفلسطيني حتى في الحياة .
هربوا، نعم هربوا، بحثا عن بعض كرامة وانسانية لم يجدوها في بلاد، كانت تتغنى ببلاد العرب اوطاني، من الشام لبغدانِ! اعتقدوا ان ايطاليا اقرب لهم من مكة، وان اهلها ربما سيكونون اشفق واحن عليهم من عرب غسان وغطفان، ركبوا البحر بحثا عن حياة "الانسان اخو الانسان".
عدل عمر ابن الخطاب؟ ربما جرى تصديره لبلاد الافرنج كما تصدر براميل النفط والزفت في بلاد الامراء وشيوخ الدعارة المتخمين، المتربعين على ظهور شعوبهم منذ فجر التاريخ، فراعين هذه الامة المشغولين ببث سمومهم وحقدهم والتفنن في التقسيم والتفتيت وتجزيء المجزأ في بلاد تحلم ببعض المساواة والعدل.
تسمرت عيناي بهذا المشهد، عائلة الميعاري بكاملها ابتلعها بحر الهوان. تمتمت بكلمات تعثرت بتدافعها من فمي وصببت جام غضبي على الجميع: فلسطينين وعرب. هزتني زوجتي مرة اخرى وهي تسأل "شو مالك يا زلمة"، قلت لها وقد ضاقت بي الدنيا "كلمة ثانية بطلقك، وبلعن ابو سلسفيل اهلك واهلي! مش شايفة الصورة؟"، واشرت الى شاشة الحاسوب. اقتربت وحدقت بالجهاز ثم قالت " يا ربي تستر؟ ويلي؟ مين هالولاد؟ وين غرقانين؟ شرحت لها الخبر فلطمت، وهي تقول " معقول هيك يصير فينا؟ ما بيكفينا حياة التعتير والقرف؟" قلت لها وقد تحول غضبي لسخرية مرة: حياة التعتير والقرف مقصودة لنبقى متمسكين بحق العودة لارضنا ونرفض التوطين والتهجير. ما بتسمعي بعض المسؤولين بهالبلد بيقولوا اذا اعطينا الفلسطيني حقوقه ببطل يفكر بالعودة لبلدو؟".
فأجابت :"ولك يا زلمي اي حق عودة؟ مش ليكون مع هالناس حق بنطلون لاولادهن بالعيد؟".