Strong>وائل عبد الفتاح

البحث عن الشعب، هذه إذاً معركة من يحلمون بالترشح إلى انتخابات الرئاسة. الرئيس وابنه يبحثان عن السند الشعبي نفسه الذي تبحث عنه أسماء من المعارضة، رغم أنّ حظ الجميع لا يساوي شيئاً في معايير الخلود الرئاسي الذي يتمتع به الرئيس حسني مبارك

مطلوب انتحاريين لشعبية النظام



إنه العابر. بحث عن نفسه ووجدها أخيراً. مجدي الكردي، لم يتخيّل هو في نفسه إمكان عبور الحواجز، ليعرفه كل شخص مهتمّ بالسياسة، ويهتمّ بحالته كل من يريد فهم السياسة في مصر. لا يثير الكردي دهشة، فهو ليس نجماً انتقل من صف إلى صف، لكنه الحالة النموذجية للجمهور عندما يخطف الأضواء لفترة قصيرة ويصعد على خشبة المسرح. وقف طويلاً في صفوف «كفاية» يهتف ضد التوريث، وفعل كل ما في وسعه، وشحن بطاريّات الغضب إلى أقصاها، حتى ارتبطت «كفاية» بصورته التي يضع فيها لاصقاً أصفر كبيراً على فمه مكتوب كلمة واحدة: «كفاية». انفعالي، وجهه لا يحتاج إلى جهد كبير لالتقاط تضاريس المعاناة وتاريخها، يصرخ بينما يناقش، ويتهم أولاً قبل أن يفهم، يقف على الحافة دائماً ويتصوّرها علامة الإخلاص.
الكردي غادر «كفاية»، ليس بناءً على خطة سياسية، ربّما غريزة الباحث عن البقاء، أو حاسة الشم عند الجائع، ربما وصول إلى حافة الانتظار اليائس في صفوف المعارضة. انتظار رأى فيه صفقات، وشارك في ما تخفيه الكواليس وقرر القفز من مقاعد المتفرجين إلى المشاركين.
مر الكردي على «الحملة الشعبية لدعم الرئيس حسني مبارك»، وانشقّ ليعلن «الائتلاف الشعبي لدعم جمال مبارك». انتقال سهل من تأييد الأب إلى تأييد الابن. أسهل وأقل سخونة من الانتقال من خوض «حرب على التوريث» إلى خوض «حرب من أجل التوريث».
«الحملة» تطالب الرئيس مبارك بالاستمرار في حكمه لفترة رئاسية سادسة «من أجل المزيد من الاستقرار، وتطهير الفكر المصري من سموم المعارضين». وحكى مؤسسو «الحملة الشعبية العليا لتأييد مبارك»، في بيانهم الأول، حكايتهم. قالوا إن: «حملتهم لتأييد مبارك كانت تحمل اسم «الحملة الشعبية العليا لتأييد جمال مبارك»، لكنها غيرت اسمها لـ«الحملة العليا لتأييد مبارك»، حتى لا يقال إنهم «يروّجون للتوريث».
انتقال من الأب إلى الابن، عكس مجدي الكردي المنشق عنهم باتجاه تدعيم الابن، في راديكالية تنال الدهشة. الكردي اختار اللحظة المناسبة، ربما للمرة الأولى في حياته، التقط بالغريزة أنّ هناك من يبحث عن «شعبية» لمن لا يمكن أن تكون له شعبية. وهذه مهمّة تحتاج إلى «انتحاريين» على طراز الكردي، يجعلون النظام بأطرافه شريكاً في الشارع. هكذا مثلاً دُبّرت تظاهرة في اليوم الأول لمحاكمة المخبرين المتهمين بالاعتداء على خالد سعيد. تظاهرة مضادة لموجات الغضب من مقتل خالد سعيد في الشارع، ومؤيدة لجهاز الشرطة، ترفع شعارات «لا للعملاء... أفيقوا يا شعب» و«لماذا تحارب الشرطة. هل الهدف إشاعة الفوضى؟»… وغيرها من شعارات تصف جهاز الشرطة بحماة الوطن الذين يواجهون حرباً من المغرضين.
مجموعات قليلة لكنها صنعت بمنطق صناعة الطرف أو الفريق المنافس، غابت عنها الخبرات وهتفت هتافات تدل على جهل سياسي، وخصوصاً حين تكرّر هتاف «خيبر خيبر يا يهود... جيش محمد سوف يعود».
لم يتم الالتفات كثيراً إلى تظاهرة الشرطة، ولكن حدث اهتمام كبير بالائتلاف، وتحوّل مؤسسه إلى نجم إعلامي تستضيفه الصحف ويجلس في استوديوهات برامج «التوك شو» باعتباره طرفاً في مواجهة جماعات التغيير.
الائتلاف ليس صناعة مباشرةً من الحزب الوطني، لكنه رغبة في صناعة شعبية لتمرير أكبر خدعة سياسية في العشرين سنة الأخيرة. الائتلاف هو محاولة من أطراف في مجموعة جمال مبارك، لا تظهر في الصورة، اقترحت الخطوة ونسّقت شكلها لتظهر كأنها إبداع شعبي خالص لدعم جمال من أجل مصر.
وهذه فرصة ذهبية لمجموعات لم يعد حماسها السياسي كافياً لشعورها بالوجود، وتحاول الآن تحقيق مصلحة ما، أو الوصول لخدمة، مثل إجراء جراحة خطيرة على نفقة الدولة.
وفي دولة مثل مصر، لا تقدم فيها الخدمات بطريقة عادلة، يمكن أن يكون الثمن خدمة، أو قدرة على تقديم خدمات للأصدقاء والمحيطين. بهذه العقلية قفز مؤسس الائتلاف وإخوته من المواقع الساخنة في المعارضة، إلى الطرف الآخر من الشارع، كما هي عادة المتحمس الغاضب بلا مناسبة، الانتقال عنده سهل، والأفكار عنده تتغير ليس بفعل النضج العقلي، ولكن بفعل المصلحة أو الميل العاطفي. ومن الطبيعي أن لا يلقى الائتلاف ترحيباً من أوساط الحزب الوطني، ليس من قبيل رفض صعود جمال مبارك، ولكن لأنّ الائتلاف هو مشروع منافس على حصة الخدمات.
والحزب الوطني ليس حزباً، بل منتخب منتفعين، يحصلون ببطاقة العضوية على وكالة تقديم الخدمات. والتنافس الداخلي ليس بين أجنحة فكرية أو سياسية، ولكن بين متصارعين على حق الوكالة، تلك التي تمنحهم عضوية مجلس الشعب، وتفتح الباب أمام نفوذ وثروة ووجاهة بلا حدود.
وربما ليس صدفة التزامن بين ولادة الائتلاف، وانتشار شائعة قرض جمال مبارك. الشائعة انتقلت عبر شبكة واسعة من المروّجين، سائقو تاكسي، موظّفون صغار، ينقلون خبر اعتماد أحد المصارف الكبرى قرض قيمته ١٠ آلاف جنيه، يحسم على أقساط كل منها ١٠٠ جنيه شهرياً من دون فوائد، لكل من يوقّع وثيقة تأييد ترشيح جمال مبارك للرئاسة.
الشائعة تكتمل بخطابها التفسيري: «وماذا يضر في دعم جمال مبارك إذا كان سيأتي ومعه الخير للشعب، البداية ١٠ آلاف جنيه فما بالك بما تخفيه الأيام في ظل حكمه».
خطاب مقنع لملايين ينتظرون فرصة يتنفّسون معها قليلاً من متاعب الحياة، فرصة سهلة، ولأنهم لم يتعوّدوا ممارسة السياسة، ولم يعرفوا أنّ من حقهم حياة مستريحة إذا جرى توزيع الدخل بطريقة عادلة، فإنهم في انتظار المعجزة السهلة الهابطة من القصر الحاكم.
لا يعرف المنتظرون أنّ من الصعب اعتماد قرض بهذه المواصفات، لكنهم أدمنوا الرشى العلنية أو السرية، ولا مانع هذه المرة من قبول رشوة سمينة. لن تخرب الدنيا، ولن ينصلح الحال إذا ابتعد جمال مبارك عن حلم الرئاسة. المهم من يوعد بـ«النغنغة». ومن يقدر على تحويلها من حلم إلى حقيقة.

موضة الحملات



بدأت الحرب فعلاً. حرب شوارع مع وضد مرشحين مفترضين لرئاسة الجمهورية، لم يترشح أحد، لكن الحرب مشتعلة: حملة بحملة وبوستر لبوستر
«مصر جمال» هو عنوان لتأييد حق ابن الرئيس في أن يكون المستقبل الذي يمثّل الأب حاضره. يرد عليها أيمن نور بحملة «مصر كبيرة عليك». شعار لا يخلو من طريقة شعبية في السخرية وتصغير الخصم.
تصميم البوسترات لم تُبذل فيه عناية تذكر، مجرد صورة ضخمة خلفها علم مصر وبعض الجماهير، لا فكرة واحدة تحمل شعاراً أو برنامجاً سياسياً، فقط جمهور يبحث عن فتوّة في معركة مقبلة.
محمد البرادعي أول من أطلق هذه الحرب، معتمداً على ثقافة التوقيع والحملة الشعبية حولها إلى موضة، وموضوع للمنافسة، ورغم أن توقيعات بيان «معاً سنغير» وصلت إلى 600 ألف توقيع، إلا أنّ البرادعي انتقل من مركز المعارضة إلى أطرافها. المركز فارغ الآن ويحوم حول حمدين صباحي، القيادي الناصري مؤسس حزب الكرامة، الذي اختارت حملته الشعبية شعار «واحد مننا». حمدين يعتني بكاريزميته، وينتمي إلى نموذج غابر من الزعماء، وحملته تروّج أنه «المرشح الشعبي»، رغم أنه قانونياً لا يحق له الترشح. وهذا أيضاً حال أيمن نور الأكثر ديناميكيةً وخبرة في سباق الرئاسة. الحرب تستعين بقراصنة الفضاء التخيلي أحياناً، لكن ملعبها الأساسي هو جدران القاهرة والمدن الأخرى. ملعب لا تزال أجهزة الأمن تتعامل معه بحساسية موروثة من أيام الحروب العسكرية. الدولة تمزق الملصقات، لكنها لم تعد مسيطرة على ملعبها، وخصوصاً بعد تطور فن الغرافيتي. أجهزة الأمن لم تستطع أن تفعل شيئاً مع شعارات مرسومة ظهرت في الاسكندرية مع أزمة الحشيش الأخيرة. وتوجّه كلامها إلى جهات متخيلة: يا تسيبوا الحشيش… يا تسيبوا البلد.
الجهات المعنية لم تترك البلد طبعاً، لكنها تركت الحشيش إلى حد لم يعد متاحاً بطريقة شعبية واسعة. وهذا هو الفرق بين حملات تتصور أنها تصنع شعبية، ووعي شعبي يتكون من أفكار قديمة في معركة جديدة عليه تماماً.
أفكار الحملات تنتمي إلى نموذج سياسي انتهى تقريباً بتعديلات أقرها الرئيس مبارك والنظام. هذه التعديلات أتاحت انتخاب رئيس الجمهوية، بعدما كان اختياره سراً من أسرار الدولة العليا.
الأفكار قديمة، والقنوات مسدودة، لكن التصوّر بأنّ النظام يملك كل شيء، أصبح محل شك كبير، فهذه الخبرات الطويلة في الحكم، لم تعد تمنح ثقة كبيرة في السيطرة على المسار.
هناك شعور متوحش بالقوة، فالدولة تسيطر عليها بيروقراطية مسلحة بالاستبداد، بيروقراطية متوحشة لكنها لم تنجح في تعطيل فعل العناصر الجديدة على اللعبة بين النظام والمجتمع، ولهذا يبدو تلاحق الحملات، على ركاكة السباق، كأنه إعلان انفلات ولو صغيراً عن المخطط الرسمي.

بضاعة سنوات الاستبداد ٤ رجال يتكلمون معاً، كلماتهم عصبية، بمن فيهم المذيع المتأنّق أناقة موظفي الاستقبال في الفنادق. المتحدث الرئيسي شكله غريب، هو مجمع علامات ورموز موديلات اجتماعية متضاربة، بدلة محامي من «محامي السلم» (فئة ظهرت في العشرين سنة الأخيرة يقفون على أدراج المحاكم ويعرضون أنفسهم على المتهمين الذي يحضرون من دون محامين) ولحية متهدّلة بفوضى سلفية، وعلامة صلاة بارزة، وعين مفزوعة وصراخ: «الرئيس ميت… والبلد فوضى بلا رئيس».
المذيع صرخ: «هذا كلام لا يجوز هنا... انت غاوي شهرة». الرجل المتعدد الرموز تحوّل إلى حالة مجنونة وظل يردّد من على أريكته: «الرئيس ميت… ميت». وجاره يتبرّم ويشيح بوجهه ويهتف بصوت عالٍ: «انت خطر. وقلنا لك إنك ستضرنا». الضيف الثالث بصوت جهوري: «إنها قضايا تضيع وقت البلد».
الأربعة يتكلمون، حفل هستيري مجنون تتكرر فيه الكلمات تكراراً متواتراً: البلد. مصر. الرئيس. الأمن القومي. الجميع يصلون إلى النهاية بطرد صاحب نظرية موت الرئيس والبديل.
وهو بالفعل شخص يقترب من الجنون، محامٍ تقدّم بأوراق ترشّح لمنصب الرئاسة في انتخابات ٢٠٠٥، وضرب الأرقام القياسية بتقديم ١٠٠ بلاغ للنائب العام عن قضايا متنوعة بدايةً من عزل البابا حتى إلغاء المذهب الأرثوذكسي. لكن قنبلته عن بديل الرئيس الذي يحكم جعلته بطلاً لواقعة الطرد من الاستوديو.
المذيع ارتعد لأن الكلام عن موت الرئيس قيل في ملعبه. ولهذا أظهر الكارت الأحمر، وهو يردّد بعدها: «الرئيس خط أحمر». النهاية الحمراء فتحت من جديد شهية الكلام عن حرية الرأي: هل من حق مذيع طرد الضيف؟
الطرد فضيحة إعلامية، والبرنامج كله فضيحة: من هؤلاء؟ هل هذه هي معارضة النظام؟ الفضائيات بهذه الاستعراضات لم تعد فضاءً، لكنها أصبحت مصدراً لفراغ، أو لتفريغ المحتوى السياسي للمطالبة بالتغيير، وتحويله إلى ما يشبه الجنون الرسمي.
المذيع يدير الفراغ ليثبت «قدسية» الرئيس، فهو يجلس بمباركته، يراقبه ضابط أمن دولة يحسب بميزان دقيق كلماته وكلمات ضيوفه.
القضية ليست حرية، فالحلقة كانت سيركاً معتماً، لا يفتح الروح المتمردة على النظام بل يغلقها، يجعلها حيواناً برياً، ولد في سنوات اليأس بلا أب ولا أم.
هذه بضاعة سنوات الاستبداد الطويلة تسد الأفق السياسي المسدود أصلاً.