ازدحم قارب الصيد/ الموت. اثنا عشر شخصاً جلسنا متلاصقين نحدق في البحر الذي سيشيعنا إلى اليونان أمواتاً أو أحياء.

إيلان الصغير طمر رأسه بين ذراعي وقال:
_ بابا أنا خيفان...
_لا يا بابا ما تخاف... مو الله بيحب الصغار؟
_مبلا.

_معناتو ح يوصلنا ع اليونان.
_طيب هنيك في حرب؟
_لا حبيبي.
_طيب في ألعاب؟ يعني في مرجوحة وبسكليت؟
_هنيك في كل شي.
_هنيك باليونان... كمان في مدرسة؟
_إيه يا بابا
التفت إيلان إلى أخيه غالب بفرح، وقال:
_بابا عم يقول هنيك في ألعاب ومدرسة وكل شي، إزا شي مرة صبي ضربني لإني أخدت دوره ع المرجوحة إنت بتحميني إيه؟
لمعت عينا غالب في العتمة. كان يجلس بصمت في حضن أمه ريحانة وهي تمسد شعره الناعم بحب من دون أن تعرف أنها تفعل ذلك لآخر مرة في حياتها.

■ ■ ■


مودّعاً ألقيت النظرة الأخيرة على حي ركن الدين في دمشق، سقطت دموعي حين انزلق القفل الأخير في مزلاج الباب ليعلن إغلاق صالون الحلاقة الذي عملت فيه. جارنا وزبوني الدائم أبو أيوب استحلفني أن أبقى. «والله كل شي بيخلص يا جار إلا هالحرب!» أجبته يومها.
كنّا ندرك، ريحانة وأنا، أن الحياة السائرين إليها في تركيا لن تكون أرحم من زخم الرصاص والصواريخ في كوباني، بلدنا التي هربنا منها إلى دمشق، لكنها بالتأكيد ستكون أقل قسوة.
بحثت عن المهربين، لأنّ أَجري الذي كنت أتلقاه مقابل العمل الذي وجدته في البناء، أقصد خمسين ليرة تركية، لم يكن يكفي لتأمين حياتنا. التقيت بمهرب سوري وآخر تركي، ثم اتفقت مع التركي على مبلغ أربعة آلاف يورو مقابل الوصول إلى الساحل اليوناني. لم أكن أملك عشر المبلغ فأرسلت أختي إليّ الباقي من كندا. كنا نتأمل أن نصل اليها في آخر المطاف.

■ ■ ■


بدأ المركب يبتعد عن الساحل عائماً فوق الظلام الكئيب، لم يمض وقت قليل حتى بدأت الأمواج بالارتفاع قاذفة مياه البحر إلى داخل المركب المثقل بالهاربين من اقدارهم الى اقدارهم، كونه كان يعلم: قفز المهرب إلى البحر وتركنا نواجه الموت.
دب الرعب في أجسادنا، ارتجف هيكل إيلان بين ذراعي «بابا... راح نموت... راح نموت... امسكني»، انطلقت صرخته الطويلة وهو يدفن رأسه في حضني وأنا أشد على جسده بذراعي محاولاً التمسك به والتوازن في الوقت ذاته، اما ريحانة، فقد التصقت بي وهي تضم غالب إلى صدرها. احتضنتهم جميعاً حتّى... انقلب القارب بنا.
تمسكت بإيلان، وريحانه تمسكت بغالب، بقينا نبكي لمدة ساعة كاملة ونحن متشبثون بالمركب المقلوب. كنت أناجي الله: «يا الله ارحمنا... خذ روحي ولا تأخذ أرواحهم، يا الله خذ بيتي وصالون الحلاقة وما شئت من دمشق واتركنا!». كان الموج كثيراً، والعتمة أكثر. صارعنا الموج إلا أن إيلان أفلتت يده الصغيرة المركب، وشاهدت عاجزاً الزبد يخرج من فمه الصغير بعد هنيهات.
حاولت الحفاظ على طفلي الثاني لكن غالب أيضاً لم يستطع مقاومة عنف الموج فانزلق من بين ذراعي إلى لجة البحر وابتلعه... أما ريحانة فقد غرقت وهي تبكي!


■ ■ ■


رأيت صورة إيلان منقلباً على بطنه ملقى على شاطئ مدينة "بودروم"التركية، هناك حيث يتمشى السياح. عثرت عليه مصورة تركية. لمْ يتبق منه سوى سرواله الأزرق وقميصه الأحمر وجناحيه الملائكيين. لِمَ لَم أغرق معهم؟ لم نجوت وحيداً؟ لِمَ أنجو انا ولَم ينجُ ايلان أو غالب او ريحانة؟ إيليا... إيليا؟ لِم فعلت ذلك؟ لِم؟