منع «مشدّات الصدر» والتلفزيونات وإزالة قسرية للأسنان الذهبية

ممارسات عزّز انتشارها مقاتلون أجانب انتقلوا إلى الصومال من أفغانستان والعراق، وسط عجز الحكومة الصومالية عن احتوائهم أو الوقوف في وجههم

جمانة فرحات
إنذار من نوع جديد وجّهته حركة الشباب المسلحة إلى سكان المناطق الخاضعة لسيطرتها، مطالبةً إياهم بتسليم أجهزة التلفزيون والصحون اللاقطة. أمّا المهلة النهائية، فهي قبل بداية شهر رمضان. فيما التهمة التي ستلاحق كل من يخالف الأوامر حاضرة وهي التجسّس.
تبريرات «أمنية» لا يبدو أنها قادرة على إقناع سكان مناطق الجنوب والوسط الصومالي، الذين باتوا على موعد متواصل مع إجراءات صارمة تفرضها الحركات الإسلامية المتشددة في انعكاس واضح لتنامي نفوذها في شتى أنحاء البلاد على حساب السلطة المركزية.
والمطالبة بتسليم أجهزة التلفزيون وهوائيات استقبال بث الأقمار الصناعية ليست سوى جزء بسيط من لائحة الممنوعات والمحرمات التي تفرضها الحركات باختلاف تسمياتها، كلّ وفق مزاجها.
فبينما كان العالم يحتفل في شهري حزيران وتموز الماضيين بنهائيات كأس العالم لكرة القدم، كان على عشاق كرة القدم في الصومال متابعة مجريات المباريات بسرية تامة، بعدما حظرت جماعة «حزب الإسلام» مشاهدة المونديال. ومن التُقط متلبّساً، في الغارات التي نفّذت على المنازل بطريقة مفاجئة، كان جزاؤه الرمي بالرصاص أو السجن، وكلّ بحسب درجة مقاومته للأوامر.
ومن لم يتعرض للاعتقال بسبب المونديال، واجهه بسبب «انتهاكه للثقافة الإسلامية» وحلق لحيته في مخالفة واضحة لمرسوم أصدرته «حركة الشباب» العام الماضي تأمر فيه الرجال بإطلاق اللحى تزامناً مع تخفيف الشارب، لأن «إطلاق اللحى والشوارب معاً أو حلقهما معاً من غير المسموح به».
كذلك فرضت «حركة الشباب» في مناطق نفوذها الالتزام بقصر البنطلون، فضلاً عن إخلاء الأماكن العامة وقت الصلاة وإجبار المحالّ على إقفال أبوابها، إلى جانب الفصل بين الجنسين في الحافلات.
وللنساء بالطبع نصيبهن من قائمة ممنوعات الحركات الإسلامية المتشددة، وإن كان بعضها غير مألوف، كملاحقة النساء ممّن يرتدين «مشدات للصدر» وجلدهن علانية بحجة أن ذلك يخالف الإسلام لانطوائه على «غش وتضليل». وهو إجراء سبقه فرض زيّ محدد على النساء قائم أساساً على الأقمشة الخشنة.
ولفرض هذا الزي على النساء مصالح اقتصادية تعود بالنفع على الحركات، وفقاً لما أكده الرئيس الصومالي شريف شيخ أحمد، الذي كان على رأس المحاكم الإسلامية وبات اليوم رمزاً للإسلاميين المعتدلين، ما يجعل منه أكثر الأشخاص درايةً بخلفيات قراراتهم. وأكد الرئيس الصومالي «أنهم يرغمون النساء على ارتداء ملابس ثقيلة جداً، قائلين إنهم يريدون لهنّ تغطية أجسادهن بطريقة صحيحة، لكن نحن نعلم أنّ لديهم مصالح اقتصادية من وراء ذلك، فهم يبيعون هذه الأنواع من الملابس ويريدون إجبار الناس على شرائها».
التطاول على الحريات الفردية لم يتوقف عند هذا الحد، بل تعداه أيضاً إلى منع عرض الأفلام على شاشات التلفزة لأنه «لا يحق للناس مشاهدة التلفزيون سوى للاطّلاع على الأخبار»، ومن خلال محطات محددة، بعدما سبق أن أجبرت دور السينما، التي يصفونها بأنها «نوافذ الشياطين»، على الإقفال.
وتأكيداً على ضرورة الالتزام بهذه التوجيهات، أطلقت حملة لتفتيش الهواتف النقّالة في الشوارع بهدف التأكّد من خلوّها من أيّ أفلام أو نغمات موسيقية تحت طائلة التعرض للعقاب. ويضاف إلى كل ذلك عمليات الرجم العلني لمن يتهم بالزنا، وقطع الأيدي والأرجل للمتهمين بالسرقة.
أما الابتسامة في الصومال، فلها ثمنها، ولا سيما إذا كان الشخص يضع أسناناً ذهبية أو فضية. إذ سيجد نفسه «متهماً»، ويقف أمام رجل مقنّع يتولّى عملية إزالة هذه الأسنان قسراً «لأنّ تركيبها زينة ويتعارض مع الشريعة الإسلامية».
أما الأغرب، فهو الأوامر التي قضت بمنع استخدام اللجام الحديدي للحمير أو الجمال، فيما جرى انتهاك حرمة الموتى، بعدما أقدمت حركة الشباب، مطلع العام الحالي، على تدمير عدد من الأضرحة الصوفية تحت شعار «حملة محو الشركيات»، في محاولة منها لمنع المواطنين من قصدها للتبرك بها أو العبادة.
هذه الممنوعات والمحرمات تتطلّب ضمان التزام الشعب بها، وهو ما يقوم به عناصر يشرفون على حملات المداهمة معروفون باسم «جيش الحسبة» ويمثلون الشرطة الدينية التابعة لحركة الشباب. وتلقى عليهم مسؤولية «إحياء الدعوة الإسلامية من جديد وبث روح الإخاء والتآلف في نفوس أهالينا في المناطق المحررة».
ويرجع انتشار هذه الظاهرة في الشارع الصومالي، وتحديداً خلال السنوات القليلة الماضية، إلى عاملين أساسين. الأول متمثل في انتقال عدد من المقاتلين من أفغانستان إلى الصومال لمحاربة القوات الأفريقية. انتقال جعلهم يحملون معهم الممارسات المتشددة التي عايشوها في المناطق الخاضعة لحكم حركة «طالبان» وسيطرتها.
كذلك يؤدّي التنافس بين الحركات الإسلامية دوراً في دفعها للمزايدة بعضها على بعض في فرض قوانين صارمة، بهدف اجتذاب عدد أكبر من المقاتلين المتشددين إلى صفوفها. وهو ما ظهر في مسارعة بعض الحركات إلى إعلان ولائها لتنظيم «القاعدة» بقيادة أسامة بن لادن.
وفي وقت باتت فيه مناطق واسعة من البلاد تخضع لسيطرة الحركات الإسلامية، فشلت محاولات رئيس الصومال في استقطاب الحركات واسترضائها عبر إمرار البرلمان لقانون تطبيق الشريعة الإسلامية في الصومال، لتبقى البلاد مسرحاً أمام الحركات المتشددة لاختبار إجراءاتها أملاً في يوم «موعود» تستطيع من خلاله فرض «محرماتها» على جميع المواطنين من دون استثناء.



استنساخ تجارب أفغانستان والعراقوفي السياق، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن المحلل الصومالي في مجموعة الأزمات الدولية، رشيد عبدي، قوله إن المقاتلين الأجانب كانوا في السابق في الظل، أما اليوم، فلا شك أنهم سيطروا على الحركة.
وترجّح التقديرات الاستخبارية عدد هؤلاء المقاتلين بين 200 إلى 500 مقاتل ينتمون إلى عدد من الدول، بينها أفغانستان، باكستان، العراق، السعودية اليمن، فضلاً عن مواطنين من عدة بلدان أفريقية.