لم تكن قصة حرق الشراشف التي اخترعتها جدتي سودة، هي المحاولة الوحيدة التي قامت بها من أجل لأن تستطيع هجرنا جميعاً. ففي مخزون ذاكرتي، حبكات متعددة اختلقتها سودة لتتخلص من حياتها في المخيم، ومن أحفادها الاثني عشر، كما من الشباك الصغير الذي يربط بين غرفتها وغرفة نوم جدي. حتى أنها جربت كل الوسائل المتاحة التي استطاعت أن تتخيلها، لتحقق ما كانت تسره في نفسها. لكنه، والحق يقال، لم تغادر دار سيدي حتى لحظاتها الأخيرة.


مرةً ثانية، جمعتنا سودة في الدار، بمحبة غير معتادة مثيرة للشك، وقالت: "اسمعوا لقلكن: أنا حكيت مع عمكم ومش ظابطة روحتي عالدنمارك، غيّرت رأيي، يعني خلص بلاها". ابتهجنا جميعاً، وأخذنا نلتفت إلى بعضنا البعض ونتبادل النظرات مبتسمين، حيث التقت عيناي بعيني أختي الكبرى، فتذكرت كلامها بأن سودة لن تسافر إلى الدانمارك، لسبب بسيط هو أن جدي لن يوافق على ذلك.
وقعت نظراتي على سودة. أردت أن أعرف بماذا تفكر؟ لأن ابتسامتها لم تكن كاملة مئة في المئة.
قد تكون فرحت بتعودنا عليها وخوفنا من فقدانها، لكنها في الوقت عينه كانت مشغولة بشيء آخر.
ولأنها صمتت، أخذ أولاد عمي مجدهم بالصراخ والقفز واللعب، بينما سودة مشت بضع خطوات حتى وصلت إلى غرفتها.
لحقت بها، لكني دخلت إلى غرفة جدي وحاولت أن أراها من خلال ذلك الشباك الصغير. وضعت مسنداً من مساند جدي (أي وسادة محشوة بنشارة الخشب، ثقيلة الوزن وقاسية بعض الشيء، تستعمل لسند الظهر عند الجلوس على الأرض) ووقفت عليه. لم يُسعفني طولي وقتذاك ولا علو مسند واحد لأصل إلى مستوى الشباك، فجررت مسنداً آخر ووضعته فوقه، حتى استطعت رؤية سودة من تلك الفتحة. كانت تجلس أمام خزانتها التي كنا نعتقد أنا وأختي بأنها تخرن فيها أسراراً كثيرة إلى جانب قنينة المشروب الغازي "سفن آب" الزجاجية.
أمسكت بين يديها صوراً قديمة وراحت تقلبها ببطء، ثم فتحت القنينة الخضراء وأخذت ترتشف القليل منها بين لحظة وأخرى. لم أرَ بحياتي أحداً "يمزمز" مشروباَ غازياً مثلها، كأنها كانت تشرب فنجان قهوة أعدتها منتصف الليل لتشربها وحيدة أمام الدار تحت ضوء القمر! لم أفهم انعزالها وهدوءها أمام تلك الخزانة التي احتفظت بمفتاحها في صدريتها، ولو لم يكن مفتاح دارها في فلسطين ثقيل الوزن –بحسب قولها- لأبقته مخبأً في صدرها أيضاً.
وقعت على الأرض. لمحني ابن عمي محمد واقفة على المساند، فمشى نحوي بتلصص وسحب مسنداً من تحت قدمي صائحاً بمرح: "نقزتك"... معتبراً ذلك لعباً! لم أستوعب ما حصل! وضعت يدي على جبيني ورأيت الدم ينبجس منه ثم صرخت. من الممكن أن أكون قد صدمت رأسي بحافة الشباك قبل أن أقع. هرعت سودة إلى غرفة جدي التي نادراً ما دخلتها، وركض وراءها الأحفاد. وضعتني على سرير جدي ثم ركضت إلى المطبخ، أحضرت القليل من البن ووضعته مكان الجرح، ثم التفتت إلى ابن عمي وضربته، فتجمع الأحفاد حولهما وهم يقولون: "حرام يا ستي اتركيه".
نظرت إليّ بغضب ثم قالت: "وإنتِ حسابك بعدين، شو كنت عم تساوي هون ولك؟!"، خفت وبقيت ساكتة. نظرتْ إلينا والغضب "ينط" من عينيها قائلة: "والله لأهج منكو كلكو ع البحر"! فبكت ابنة عمي الواقفة بجانبها وشدتها من فستانها وهي تقول متوسلة: "ستي الله يخليكي... خدينا معك عالبحر"!