مخيّم بلاطة ــ معاذ عابد

علي ماسورة الكذاب، هذه هي شهرته المكتسبة. فمنذ زمن بعيد لا يعرف أحد للمذكور أعلاه شهرة أخرى. وفي جلسة عرمرمية غصّت بنصف ليتر من الفودكا الرخيصة وهي كمية كبيرة بالنسبة الى مبتدئي شرب الكحول، أقسم أغلظ الأيمان أن أبو طارق صاحب الخمارة التي تقع في منطقة رفيديا في نابلس هو مسلم، وأن السلطة أعطته ترخيصاً لأنه «واصل».
يسترسل علي في أحاديثه الطريفة، التي نسمعها بدون اعتراض، لأن كذباته المسلّية وخصوصاً غزواته العاطفية. الجميع يعرف أن علي ماسورة يكذب، ولكن بدل أن ندحض كذباته نشارك في الحديث ونسأله عن ظروف القصة. لكن علي ماسورة لديه من سرعة البديهة، ما يجعله يتدارك أصعب موقف حتى حين يخبرنا أنه نام ليلة كاملة في غرفة حبيبته وأهلها موجودون في البيت! علماً بأن أكبر منزل في المخيم في حيّ حبيبته، لا يمكن أياً كان أن يملك غرفة خاصة به، وكيف أن أخا حبيبته دخل عليهما في الغرفة وهما يتحدثان، فاختبأ تحت السرير مباشرة قبل أن يلمحه، وكان يتبع جمله دائماً بعبارة «والله ما بزلّ عليكم». علي ماسورة، سمّي بهذا الاسم لكذبة من كذباته أيضاً.
كان ينتقي أصحابه ممن لم يولدوا في المخيم، فهم جمهور مثالي لقصصه. ادّعى يوماً أنه يملك «ماسورة» وهي سلاح ناري بدائي يصنع من ماسورة مخروطية. أظهر لنا طرف ماسورة من طرف زقاق بيتهم بعد إلحاح كبير لنرى سلاحه الشخصي. لكنه اشترط أن نراها من بعيد، وبالفعل هذا ما حدث، رأينا الماسورة... بل طرفها.
بعد مغادرة علي، أطلّ حازم الهبيلة (وهو شاب أبله ووديع)، وسألنا: ليش علي كاين مخبّي الكرسي منكم؟ ذهلنا وسألناه: أيّ كرسي؟
فتبيّن أن علي كان يظهر لنا طرف رجل الكرسي المعدني من بيتهم! واجهناه بكذبته، لكنه صرخ بنا: تصدّقون حازم الهبيلة وتكذبونني؟ لم يكن باليد حيلة. حازم الهبيلة أم علي ماسورة؟ أكيد علي ماسورة وإلا وقعنا ضحية غضبه ونزوات الصدقية التي يؤكدها حين يقول: «أنا الحق عليّ إني بحكي معكم وبحكيلكم هيك قصص». حازم الهبيلة تركنا وهرب خوفاً من أن يراه بائع الجرائد المعتوه ويعضّه كالعادة. كان صوت «العضاض» يأتي من بعيد شاتماً من لا يشتري الجريدة منه. العضاض كان دوماً يسأل «شفتوا حازم الهبيلة؟» أجبناه بأننا لم نره اليوم، باغتنا العضّاض بسؤال عجيب «معكم مصاري"؟ لكن علي ماسورة بقي بيننا، ليسرد لنا كذبة أخرى عن كيفية صنع قنابل المولوتوف من المنظفات المنزلية وبكربونات الصوديوم التي تستخدم في صنع الطعام أحياناً.
وبرغم أنه يملأ المخيّم بكذبه، إلا أننا كنا نصدقه حين يقول إننا سنرجع إلى أرضنا يوماً ونروح نتصوّره مالئاً بلده الأصلي بكذبات أخرى عن المخيم هذه المرة.