يمتلك اليمن، وخصوصاً محافظات مأرب والجوف وحضرموت، واحداً من أضخم الاحتياطيات النفطية. وقدّرت أبحاث علمية وشركات عالمية للتنقيب أنه يفوق نفط الخليج بأكمله. وهو ما يفسر الجهد المتواصل من دولة الوصاية السعودية، ومنذ ثلاثة عقود على الاقل، لعرقلة أي استفادة لليمن من المخزون النفطي لأجل تطوير الاقتصاد والمجتمع. وقد أدى التفاهم الاميركي ــ السعودي الى حصر الاستثمار اليمني بحاجاته المحلية فقط، وضمن إطار يحفظ شكل الدولة بحدها الادنى ويمنع الفوضى الشاملة خشية انعكاساتها السلبية على أمن السعودية.


يروي مرجع يمني سابق لـ«الأخبار» أن شركة أجيب النفطية الايطالية حصلت عام 1979 على امتياز حق العمل في شرق اليمن، وبالتحديد في حضرموت، وفي عام 1982 أعلنت الشركة اكتشافات نفطية واعدة في أكثر من موقع. وتم الاعلان عن ذلك بواسطة الاعلام الرسمي لدولة اليمن الديموقراطي (اليمن الجنوبي). لكن الذي حصل هو الانسحاب السريع والمفاجئ للشركة الايطالية. ويكشف المرجع اليمني أنه تبيّن في ما بعد تعرض الشركة لضغوط إقليمية ودولية من أجل التوقف عن العمل. وهو أمر لا يحتاج الى شرح، متى تعرف أن استهلاك إيطاليا الاكبر للنفط مصدره السعودية، حتى إن الشركة نفسها كانت قد أبرمت عقوداً كبيرة في السعودية قبل أن تعلن في وقت لاحق تجميد عملها في اليمن.
أخيراً، كشفت الوثائق المسربة عبر موقع «ويكيليكس»، عن الخارجية السعودية، أن لجنة عليا شكلت برئاسة الامير سلطان بن عبد العزيز، الذي كان يشغل وزارة الدفاع والمكلف بالاشراف على اليمن، وعضوية وزير الخارجية السابق سعود الفيصل ورئيس المخابرات وآخرين، وكلفت اللجنة بالعمل على مشروع هدفه شقّ قناة من السعودية إلى بحر العرب من خلال محافظة حضرموت، بغية الاستغناء عن كلّ من مضيق هرمز وباب المندب. ولم توضح الوثائق الأسباب التي حالت دون تنفيذ المشروع.
منذ بداية العدوان السعودي على اليمن في نهاية آذار الماضي، تعاملت السعودية بخصوصية مفرطة مع حضرموت، فترك لتنظيم «القاعدة» أمر السيطرة المبكرة على مركز المحافظة في المكلا، وعلى مناطق أخرى من دون أي قتال، ما اعتبره الجميع عملية تسليم للمدينة الى القاعدة من قبل الرئيس الفار عبد ربه منصورهادي. وتولى كوادر يعملون مع جهات سلفية ومع حزب الاصلاح (الإخوان المسلمون) تسليم المدينة، وبعلم من السعودية. وترافق ذلك مع عدم قيام العدوان السعودي بتوجيه أي ضربة جوية الى هذا التنظيم. واقتصرت الغارات على الطائرات الاميركية ضمن خطة واشنطن لضرب قيادات «القاعدة»، الذين يتبيّن أنهم خارجون عن طاعة السعودية.
وقبل أسبوعين، وقّع رجال أعمال وتجار يقيمون في جدة، وهم من حضرموت، على عريضة تطالب الملك سلمان بن عبد العزيز بضم حضرموت إلى المملكة، الامر الذي جاء متزامناً مع تسريع خطوات سعودية لمنح الجنسية الى عدد كبير من سكان المناطق الحدودية، الذين ينتمون الى قبائل من حضرموت.
ووصل الامر ببعض الساسة اليمنيين المحسوبين على السعودية، مثل القيادي الجنوبي حيدر أبو بكر العطاس وعبد الرحمن الجفري وغيرهما، الى التصريح بضرورة منح السعودية مكافأة لأنها «وقفت إلى جانب الشرعية». أما المكافأة، فيقول هؤلاء، وبصراحة أيضاً، هي عبارة عن التنازل عن السلطة في محافظة حضرموت لمصلحة السعودية، والترويج للفائدة الاقتصادية التي ستنجم عن شق قناة من السعودية إلى بحر العرب عبر حضرموت، وأن القناة قادرة على استيعاب مليون عامل يمني أثناء الحفر.
أما في ما خص محافظة مأرب، فقد شهدت ثمانينيات القرن الماضي دخول الولايات المتحدة على الخط. وعندما ظهر أن نهاية الحرب العراقية ــ الايرانية تنتهي من دون إسقاط النظام في طهران، شعر الاميركيون بأن الخطر بات محدقاً بمنطقة الخليج، وهو خطر قد يهدد النفط. لذا قررت الولايات المتحدة التنقيب عن النفط في اليمن. ومنعاً لاثارة حساسية الرياض، أوكلت مهمة التنقيب إلى شركات صغيرة، أبرزها شركة «هنت» الاميركية.


وقّع رجال أعمال حضرميون
على عريضة تطالب بضمّ حضرموت إلى السعودية

وقد أدت هذه الخطوة الى خطوات يمنية في المقابل، كان بينها حضور نائب الرئيس الاميركي (في حينه) جورج بوش حفل تدشين مشروع مصفاة مأرب (1986)، كذلك وضع في الوقت نفسه الحجر الاساس لمبنى السفارة الاميركية الجديد في صنعاء. ولم يتحفظ بوش الأب على التصريح يومها بأن واشنطن وجدت بديلاً من نفط الخليج الملتهب. وهي الخطوة التي فسّرها اليمنيون بأنها إشارة الى الدخول الاميركي المباشر، وليس من خلال السعودية، الى قلب المشهد اليمني.
كذلك، فإن أحد الاسباب التي عجّلت الوحدة بين شطري اليمن الجنوبي والشمالي هو اكتشاف كميات هائلة من النفط في الجنوب من قبل الاتحاد السوفياتي، خصوصاً في حضرموت ومثلث حضرموت ــ شبوة ــ مأرب، وأن استغلال الثروة النفطية من قبل النظام الاشتراكي الموالي لموسكو سيغيّر موازين القوى بين الشطرين لمصلحة الجنوب الغني بالنفط.
وبالتوازي، تم اكتشاف احتياط نفطي ضخم في محافظة الجوف، وأعلنت شركة «هنت» الاميركية الاكتشافات الجديدة، لكنها توقفت فوراً عن أعمال النتقيب، من دون ذكر الاسباب. لكنّ سياسياً يمنياً عايش تلك المرحلة قال لـ«الأخبار» إن واشنطن «بعد أن أمّنت البديل النفطي، وأصبح متاحاً في اليمن، فضّلت الإبقاء عليه كمخزون في باطن الارض، ويبقى استخدامه رهن القرار الاميركي، وما استمر تدفق النفط السعودي، فلا حاجة لإزعاج ملكها الآن».
بتاريخ 8/1/2013، بثت قناة «سكاي نيوز» الاميركية تقريراً ضمنته القول بأن اليمن يستحوذ على 34% من مخزون النفط العالمي، وأن أكبر منبع للنفط في محافظة الجوف المجاورة للسعودية.
وفي بداية عام 2014 قامت وزارة النفط اليمنية بتنشيط عمليات الاستكشاف النفطية في عدد من المحافظات، بينها الجوف التي تم تلزيمها للشركة النفطية اليمنية «صافر». وبعد وقت قصير على بدء المسح الميداني، بوشرت أعمال الحفر والاستكشاف الاولي، وأعلنت الشركة وجود نطاقات هيدروكربونية. كذلك أظهرت النتائج الاولية اكتشافات غازية بكميات تقدر بملايين الامتار المكعبة من الغاز يومياً.
غير أن الذي حصل بعد هذا الإعلان هو إصدار السعودية قانون عمل جديداً، تبيّن أن الهدف منه طرد ملايين العمال اليمنيين. وبدأت الداخلية السعودية بتجميع المغتربين اليمنيين في أماكن عامة بطريقة مهينة ومذلة، بغية ترحيلهم وطردهم، من دون أي مراعاة لحقوقهم. ولم تتوقف الازمة عند هذا الحد، بل حركت السعودية بعض القبائل الموالية لها، التي تولت تخريب أنبوب النفط الرئيسي في مأرب، وتعطيل خطوط نقل الكهرباء في مأرب، والتي تغذّي معظم مناطق الشمال.
وبعد هذه الضغوط، التي شملت رشوة مسؤولين كبار في الدولة اليمنية، أعلنت شركة صافر، ومن دون تبرير، «التوقف» عن استكمال عملية التنقيب في الجوف، مع العلم بأن الشركة لم تقترب من المنطقة الحدودية السعودية، وأبقت التنقيب على بعد 40 كلم منها.