أعلن متحدث باسم شرطة ميونيخ أن حوالى 3 آلاف طالب لجوء وصلوا أمس إلى مقاطعة بافاريا، في جنوب ألمانيا، قادمين من المجر، عبر النمسا؛ ويلحق هؤلاء بـ 8 آلاف مهاجر عبروا الحدود الألمانية يوم أول من أمس فقط، بحسب الشرطة الاتحادية الألمانية. وكان في استقبال اللاجئين الجدد في محطات القطارات في ميونيخ وفرانكفورت وأماكن أخرى من البلاد، حشود من الألمان المرحِبين، الذين حملوا بالونات وقدموا الماء والغذاء والتقطوا الصور، هاتفين: «قلها بصوت عال، قلها بوضوح، اللاجئون مرحب بهم هنا». ووجهت الشرطة اللاجئين، بعد نزولهم من القطارات، إلى حافلات أقلتهم الى مراكز استقبال مؤقتة، اقيمت داخل مبان عامة وفنادق وثكن للجيش في جميع أنحاء البلاد.


وتشهد ألمانيا موجة تطوع وتبرّع لمساعدة اللاجئين، بالتوازي مع تظاهرات منددة بتدفق اللاجئين، واعتداءات يتعرض لها الأخيرون، على أيدي مَن يوصفون بالنازيين الجدد. وقد أعرب سياسيون ألمان عن قلق متزايد من الأعداد القياسية للوافدين، محذرين من أن استمرار تدفق هؤلاء بهذه الوتيرة المتصاعدة سيؤدي الى مشاكل سياسية ولوجستية على حد سواء. في المقابل، أكد رئيس اتحاد الصناعات الألمانية، أولريش غريللو، أنه «إذا ما تمكنا من إدخال (اللاجئين) سريعاً في سوق العمل، فسنساعد اللاجئين ونساعد أنفسنا». وذلك أن ألمانيا، خلافاً لغيرها من الدول الأوروبية، ترحّب بذوي الكفاءات من المهاجرين؛ فهي تعاني من نقص معدل الولادات (حتى أقل من اليابان) وشيخوخة التركيبة السكانية، وتتمتع بمعدّل بطالة منخفض نسبياً. وتتوقع مؤسسة «بروغنوس» نقصاً في العاملين في جميع قطاعات الاقتصاد الألماني يُقَدّر بـ 1.8 مليون شخص في عام 2020، و3.9 ملايين على مشارف عام 2040، وذلك إذا لم تحصل تبدلات ديموغرافية. وكان حاكم البنك المركزي الفرنسي، كريستيان نوايي، قد عبّر عن رأي مشابه في اجتماع مجموعة العشرين في أنقرة، حيث اعتبر أن موجة اللجوء «عامل يؤثر على الثقة والمناخ الاقتصادي وربما على الماليات العامة» في المدى المباشر، إلا أنها يمكن أن «تشكل على الأمد المتوسط عامل تعزيز لإمكانيات النمو».


56% من الفرنسيين يرفضون استقبال المهاجرين في بلادهم



وتعيش أوروبا انقساماً عميقاً إزاء كيفية التعامل مع أكبر موجة لجوء في القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تنفرد ألمانيا الرسمية بموقفها من الموجة هذه. وبحسب مسؤول في منظمة العفو الدولية، فإنه «بعد أمثلة لا تحصى من التعامل المخزي مع اللاجئين والمهاجرين من قبل الحكومات الأوروبية، نرى أخيراً قليلاً من الإنسانية (في معاملة ألمانيا لهؤلاء)، وهو أمر يبعث على الارتياح». وكانت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، قد تحادثت هاتفياً يوم أول من أمس مع رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي اعتبر موجة اللجوء «مشكلة ألمانية»، ناجمة عن إعلان برلين استعدادها لاستقبال اللاجئين السوريين. وقال المتحدث باسم ميركل، جورج سترايتر، إن «الجانبين اتفقا على أنه ينبغي على كل من ألمانيا والمجر أن تفيا بالتزاماتهما الأوروبية بموجب اتفاق دبلن»، الذي ينص على معالجة طلبات اللجوء في أول دولة يصلها اللاجئ. وأوضح سترايتر أن أوربان وميركل اتفقا على أن تدفق المهاجرين (إلى النمسا وألمانيا) في نهاية الأسبوع كان استثنائياً، نظراً الى الحالة الطارئة في بودابست. وتواجه ميركل ضغوطاً سياسية حول هذه القضية حتى من داخل الائتلاف الحاكم، حيث اعتبر حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي أن تسهيل إجراءات سفر اللاجئين «قرار خاطئ»، شكّل «عامل جذب إضافياً»، يغري أبناء الشعوب المفقرة بالمجيء، بغض النظر عما إذا كانوا تحت التهديد المباشر أو لا.
وفيما ذكرت صحيفة «صنداي تايمز» يوم أمس أن الحكومة البريطانية مستعدة لاستقبال 15 ألف لاجئ سوري، وأنها في الوقت نفسه تسعى للحصول على موافقة البرلمان لشن غارات جوية على تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا، وذلك خلال تصويت مطلع تشرين الأول المقبل، قالت متحدثة باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إن بريطانيا ستستقبل 4 آلاف لاجئ سوري فقط. وكان رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، قد أعلن يوم الجمعة الماضي أن بلاده ستستقبل «آلاف اللاجئين» السوريين، وذلك تحت الضغط الشعبي، غير أنه لم يحدد رقماً، علماً بأنه كان قد رفض في السابق إلزام الاتحاد الأوروبي بلاده باستقبال المزيد من اللاجئين. وأمس، قال وزير المالية البريطاني، جورج أوزبورن، إن حكومته ستستخدم جزءاً من الموازنة المخصصة للمساعدات الخارجية للإسهام في تأمين نفقات إيواء اللاجئين، وذلك في محاولة لتهدئة المخاوف من تأثير كلفة اللجوء على الخدمات العامة في البلاد. وقال أوزبورن إن حكومته ستستخدم جزءاً من موازنة المساعدات الخارجية، التي تمثل 0.7% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، لمساعدة السلطات المحلية في استيعاب الوافدين الجدد. واستقبلت بريطانيا 216 لاجئاً سورياً فقط منذ بداية الحرب عام 2011، وذلك بموجب خطة لإعادة توزيع اللاجئين السوريين برعاية الأمم المتحدة؛ كما مُنح نحو 5 آلاف سوري، تمكنوا من شق طريقهم إلى بريطانيا، حق اللجوء.
وقال أوزبورن إنه عوضاً عن المشاركة في نظام مقترح لتقاسم اللاجئين بين دول الاتحاد الأوروبي، فإن بريطانيا ترى أن الحل الأمثل يكمن في منعهم من القيام بالرحلة إلى أوروبا. وفي صدى لموقف أوزبورن (أو موقف الحكومة البريطانية)، أعلن الرئيس الفرنسي السابق، وزعيم حزب الجمهوريين اليميني، نيكولا ساركوزي، يوم أول من أمس، أنه يؤيد إنشاء «مراكز احتجاز» للاجئين في شمال أفريقيا وصربيا وبلغاريا، على أن يُنظر في هذه المراكز في منح اللجوء السياسي لمهاجرين، قبل دخولهم مجال «شينغن» (مجال التنقل الحر بين 26 بلداً أوروبياً)، داعياً إلى «إعادة تأسيس» الأخير.
وفي موقف مشابه، دعا آلان جوبيه، الخصم الأكبر للجمهوريين في الانتخابات الرئاسية التمهيدية (التي ستُجرى عام 2017) إلى «التمييز بين المهاجرين لأسباب اقتصادية واللاجئين»، قائلاً إن «هناك رجالاً ونساءً يصلون (إلى أوروبا) من دول لا يتعرضون للاضطهاد فيها، (وهم بالتالي) ليسوا مؤهلين للحصول على حق اللجوء». وأضاف جوبيه إن «على فرنسا تحمّل حصتها من البؤس، ولكن ليس البؤس كله، وإلا ستكون هناك مخاطر زلازل سياسية واقتصادية حقيقية». ويظهّر جوبيه في موقفه هذا منطق «الشراكة» الأوروبية مع دول المتوسط، حيث على الأخيرة أن تفتح حدودها للأفراد والرساميل والشركات والمنتجات الأوروبية، فيما يرفع الاتحاد الأوروبي مختلف أنواع الحواجز في وجه مَن وما يحاول عبور حدوده، آتياً من الضفة المقابلة من المتوسط.
ويبدو المزاج الشعبي الأوروبي غير بعيد عن موقف الحكومات والساسة، حيث أظهر استطلاع للرأي نُشر الأربعاء الماضي مثلاً أن أكثر من نصف الفرنسيين (56%) يرفضون استقبال المهاجرين في بلادهم. ومع ذلك، تظاهر الآلاف في باريس يوم أول من أمس، «رفضاً لسياسات الهجرة القمعية التي تؤدي الى موت الآلاف، وتأييداً لاستقبال اللاجئين»، وفق ما صرح به أحد المنظمين. من جهته، دعا البابا فرنسيس يوم أمس كل أسقفية أوروبية إلى إيواء عائلة من المهاجرين، قائلا إن الفاتيكان سيأخذ المبادرة في هذا الاتجاه.
(الأخبار، الأناضول، أ ف ب، رويترز)