«عازمون على تطهير اليمن من الحثالة»، قال ولي العهد الإماراتي، محمد بن زايد، في الوقت الذي طلب فيه ابن ملك البحرين، ناصر بن حمد، «قتل خمسة مقابل كل شهيد» من قوات بلاده في اليمن، من دون أن يوضح هويات هؤلاء «الخمسة».

يشنّ حكام الخليج، منذ 26 آذار الماضي، حرباً بلا هوادة على اليمن. في اليوم الخامس للعدوان، قتلت طائرات التحالف 40 يمنياً من مخيم المزرق في حجة شمالي البلاد (الضحايا كانوا من نازحي الحروب الست السابقة على صعدة).

وقتل في سوق مدينة زبيد في محافظة الحديدة 116 يمنياً، نهاية الشهر الاول. وفي مجزرة صنعاء وهي الأكثر شهرةً، قتل 87 شخصاً بعد قصف طيران التحالف جبل نقم المشرف على العاصمة. أما خاتمة المجازر حتى الآن، فكانت في المدينة السكنية لعمال وموظفي كهرباء المخا في تعز، حيث قتل 62 شخصاً.
في حصيلة الموت بالمجازر وبـ «المفرق»، قتلت السعودية وحلفاؤها، حتى يوم الخميس الماضي، 4967 شخصاً في اليمن، إلى جانب 12089 جريحاً، عدا عن آلاف المشرّدين بين المدن الواقعة بكاملها تحت سماء مباحة لطيران كل راغب في تقاسم كعكة «اليمن الجديد».
منذ خمسة أشهر، والعالم غارق في صمت مطبق حيال ما يجري في اليمن. تقارير خجولة لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، رصدت عدد القتلى المدنيين وحذرت من استخدام السعودية أسلحة محرّمة دولياً، لكنها مرت مرور الكرام، ولا سيما أن الرياض كانت حريصة على نفي تلك «الاتهامات» بعد كل تقرير.
من جهة أخرى، فإن عملية مأرب الأخيرة، التي لا يمكن تصنيفها إلا في خانة فعل المقاومة في بلدٍ أرضه مشرّعة أمام جيوش السعودية والامارات والبحرين وقطر (مع ما تتضمنه هذه الجيوش من جنسيات أجنبية متنوعة تجعلها أشبه بفرق كرة قدم لا بجيوش دول حقيقية)، استفزّت حكومات العالم التي وقفت صفاً واحداً للاستنكار ولتقديم العزاء للدول الغازية.
انطلق «مزاد» التعزية يوم الجمعة الماضي، بدءاً من الدول الغربية والعربية، مروراً بالأزهر وبالجامعة العربية (حتى إن محمود عباس رأى أن «الجنود الاماراتيين استشهدوا في سبيل قضية عادلة»)، وصولاً إلى الفنانين والإعلاميين العرب الذين يهرعون للمنافسة على التزلف لحكام الخليج (إقرأ أموالهم) عند كل مناسبة مؤاتية. وإن كان الحديث عن «العين الواحدة» التي ينظر بها العالم وإعلامه إلى قضايا بلداننا وشعوبنا ومعاييره المزدوجة، بات مكرراً ومملاً بسبب كمّ الموت الهائل في هذه المنطقة، فإنه لا ضير في الإشارة إلى أن آلاف القتلى في اليمن لم يهزوا ضمير العالم، فيما استطاعت عملية واحدة في مأرب أن تطلق هستيريا خليجية ودولية تحرّض على المضي في «الثأر» من اليمن واليمنيين ووصفهم بـ «الحثالة».
لعلّها مناسبة أخرى للتأكيد على أن العدالة في هذا العالم وهم، وأنه حتى في الموت هناك من هم «فوق»، وآخرون «تحت»، يبدو أن حتى العزاء كثيرٌ عليهم.