غزة | كسرت بلدية غزة الحاجز بينها وبين المواطن في تقديمها الخدمات، فأصبحت، بطريقة أو بأخرى، تمثل نقطة انتقاد يومية. الآن لا يبحث سكان غزة، عاصمة القطاع، عن حلول سحرية وعدوا بها لفك الحصار عن القطاع، بل إنهم صاروا يطالبون بأقل الأساسيات، مثل إزالة النفايات وإيصال المياه إلى منازلهم لساعات قليلة، وإصدار بعض التراخيص للبدء في إعمار ما دمرته الحرب.


«الموضة» الأخيرة التي خرجت بها البلدية منذ شهر كانت «الحفاظ على المظهر الحضاري» للمدينة، وهي في سبيل ذلك باتت مثل «الشبح» الذي يلاحق الباعة المتجولين، وخاصة على شاطئ البحر. صار موظفو البلدية، ومعهم الشرطة، يلاحقون هؤلاء الباعة أينما كانوا، ليلا ونهارا، من الشجاعية حتى معسكر الشاطئ. وفوق «الكبس» عليهم وهم يبحثون عن أرزاقهم، فإنهم يصادرون بضائعهم ويدفّعونهم غرامات المخالفة، وفوق ذلك قد «يكسّرون» البسطات وأصحابها.
ومن المعروف لمواطني غزة، أن أعضاء مجلس إدارة بلديتهم ينتمون إلى حركة «حماس»، ما يعني أن العبث مع البلدية أو انتقادها، يعني حكماً رفض سياسة الحزب الحاكم. هذه البلدية كانت منذ الانقسام الداخلي، عام 2007، وقبله بعام، ترفع أعلام «حماس» على بوابتها. ولولا انتقاد صدر في صحيفة «الأيام» يوماً ما بهذا الشأن، لاستمر العلم محلقاً على البوابة.
جراء ذلك، يلجأ الباعة المتجولون وجلهم من فئة الشباب، إلى برامج شعبية تقدمها إذاعات محلية، كـ«صوت القدس» التابع لـ«حركة الجهاد الإسلامي»، أو «صوت الشعب» التابع لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، كي يصرخوا بشكاواهم على قسوة شرطة البلدية، فضلاً عن مئات الشكاوى الأخرى المتعلقة بخدمات البلدية.


الشكاوى الأخرى تتعلق بمشكلات المياه وإزالة النفايات من الشوارع


في الأسايبيع الأخيرة، هزت قضية الشاب محمد أبو عاصي الرأي العام بعدما حاول الانتحار. أبو عاصي صاحب بسطة لبيع الذرة سماها «روتس الغالبة» مستعيناً باسم مطعم فخم في غزة. بدأ الصراع بينه وبين بلدية غزة قبل ثلاثة شهور، أي عند بدء «موسم الرزق» على البحر. وبعد إصراره على البقاء، دمرت البلدية بسطته ومنعته من الوقوف هناك.
جراء ذلك، أقبل الشاب على الانتحار بتناوله السم، وبقي في قسم العناية المركزة لأيام، ولكن قيادات في «حماس» سعت إلى احتواء القضية، وخاصة بعد «بيان البلدية» الذي تحدث عن «المظهر الحضاري»، وذلك بزيارته والوعد بمحاسبة البلدية وتوفير عمل له.
وقانوناً، يحق للبلدية أن تنظم الشوارع وتضبط النظام، ولكن الأمر في الواقع الغزي صار يعتمد في التنفيذ على القبضة الحديدية، وأيضاً من دون مراعاة للظروف القائمة أصلاً، وهي الظروف نفسها التي تشير البلدية بأصابعها إليها، إذا اتهمت بالتقصير.
ومن أوجه التقصير التي كانت موضع الحديث في المدة الماضية: التأخر في إصدار تراخيص البناء لمن دمر منزله خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، وبقاء النفايات في مناطق كثيرة كالشجاعية (شرق)، وانقطاع المياه لأيام متواصلة عن مخيم الشاطئ (غرب).
ووفق وصف أحد الإذاعيين القائمين على البرامج الصباحية، فإن الشعور العام لدى الناس صار أن البلدية ليست لخدمتهم بل لمعاقبتهم. وباستطلاع سريع للآراء، فإن نحو 45 من أصل 50 من الصحافيين والنقابيين والأطباء الذي يقعون تحت إطار خدمات بلدية غزة، يؤكدون أن البلدية لا تؤدي دورها اللازم اتجاههم، فيما يذكر 42 منهم أنها لا تستجيب لهم بشأن مشكلات وصول المياه. وتتحدث بعض الجهات المقربة من بلدية غزة عن أن عدم انتظام رواتب موظفي البلدية أحد الأسباب وراء التقصير القائم، لكن المتحدث باسم بلدية غزة، حاتم الشيخ خليل، يقول إن «الرواتب منتظمة، ولا يوجد فيها أي مشكلة».
وبشأن مشكلة الباعة المتجولين، قال الشيخ خليل إن البلدية «لا تتعامل بالقانون، بل تعطي العصا لطرف المواطن... هناك بسطات عشوائية وغير مرخصة، والبلدية لا تتعرض لها، بل بعض الحالات التي يطلب فيها تدخل الشرطة هي لحماية موظف البلدية فقط».
ويضيف: «الحصار أثر في جميع صور الحياة في غزة، لكننا نرد يومياً على شكاوى المواطنين» مكملاً بشأن قصة أبو عاصي، أنها «واحدة من ثلاثين بسطة موجودة على شاطئ البحر بصورة عشوائية... قبل عامين افتتح الكورنيش، ولم تكن هناك سوى خمس بسطات من ضمنها بسطة أبو عاصي، ولكننا نسمح لها بالبقاء ضمن ضوابط البلدية، وهي: محدودية المساحة، وألا يمتد وجوده إلى منتصف الليل، كما يجب ألا يضع أي كراسي للزبائن».