غزة | تتسابق نساء عزبة بيت حانون، شمال قطاع غزة، قبل رجالها، في الوصول إلى مقر تحلية المياه الوحيد في بلدتهن، لتعبئة ما يستطعن حمله من «غالونات» وزجاجات فارغة بالمياه. لا يفعلن ذلك من أجل الشرب في ظل ملوحة المياه القاتلة، هذا إذا وصلت المياه إلى صنابير منازلهن، ولكنهن يشترين المياه العذبة من أجل الاستخدام اليومي في غير الشرب، نتيجة حرمانهم الاتصال بشبكة مياه البلدية، من بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة.


الأربعينية، أم محمد الزعانين، أصبح السير لمسافة لا تقل عن كيلومترين بالنسبة إليها روتينا يوميا اعتادته من بعد عودتها إلى منزلها عقب انتهاء حرب «الجرف الصامد». تصطحب أم محمد في رحلتها طفليها محمد (12 عاما) ومحمود (10 أعوام). يسيرون جميعا في شارع رملي طويل، ويسارعون إلى ذلك في الصباح الباكر قبل أن تشتد حرارة الشمس عليهم، ومقصدهم محطة تحلية المياه. هناك يزاحمون الناس لملء «غالوناتهم» وما يزيد على 20 زجاجة بالمياه المحلاة، قبل أن يستأجروا «كارو» (عربة) يجرها حمار خلال عودتهم إلى المنزل.
توضح المرأة أن العزبة تعاني أصلا قلة المياه، وزادت المشكلة بعد الحرب الأخيرة، بل يمكن القول إن السكان فقدوها تماما من بيوتها، والمفارقة أن مياه البلدية قد لا تصل بيوتهم إلا مرة كل شهر أو اثنين «في أحسن الأحوال».
وتشتكي نساء العزبة، تأثير غياب المياه في صحتهم وخاصة الأطفال الذين صاروا يعانون «جدري الجلد»، جراء قلة الاستحمام. أبناء أم محمد مثلا لا يحظون بفرصة الاستحمام إلا مرة واحدة كل أسبوعين، ما جعلهم في ظل الرطوبة العالية والحر الشديد عرضة لانتشار الجدري في كل جسديهما، كالكثيرين من أطفال المنطقة.
وعزبة بيت حانون من أكثر المناطق التي تعرضت لعمليات التجريف نظرا إلى موقعها الحدودي، لذلك تتعمد الجرافات والآليات الإسرائيلية تدمير البنية التحتية للمنطقة، إضافة إلى المزارع والدفيئات الصغيرة.
أحد سكان المنطقة، ويدعى إبراهيم أبو عودة يقول إنه في كل الحروب الإسرائيلية يتكرر تدمير البنية التحتية للعزبة، وخاصة المياه التي لا تستمر الحياة من دونها. ويضيف: «إذا ما استمر الوضع على هذا الحال، ما من لنا حل آخر سوى ترك المنطقة والرحيل عنها»، لكن أبو عودة (50 عاما) يلقي المسؤولية على البلدية بسبب استمرار هذه الأزمة برغم مرور عام كامل على انتهاء العدوان، متهما إياها بالتخاذل وقلة الاهتمام بمعاناة الناس.
ويقدر عدد سكان عزبة بيت حانون بنحو 120 ألف نسمة، جميعهم خارج تغطية شبكة المياه التي تمدها البلديات لسكان المحافظات والمدن في القطاع، فيما يعاني 23% منهم انقطاع اتصال بيوتهم بشبكة الصرف الصحي، ما يدفعهم إلى استخدام «الحفر الامتصاصية» بجوار البيوت، للتخلص من الصرف الصحي، الذي قد يتسبب في تلوث المياه الجوفية وتفاقم أزمة المياه أكثر فأكثر.
في المقابل، يوضح نائب رئيس «سلطة المياه»، ربحي الشيخ خليل، أنه خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة «استهدفت الآبار التي تعدّ من أهم مصادر المياه الواصلة إلى المنازل»، مشيرا إلى أن إسرائيل دمرت 26 بئرا «عشر منها جزئيا، والبقية دُمّرت كليا».
وذكر الشيخ خليل أنه أعيد بناء الآبار المدمرة جزئيا، وإن كانت «لا تفي بالغرض كما في السابق»، فيما لا تزال الآبار المدمرة كليا تنتظر الحل. وشدد في الوقت نفسه على أنهم بحاجة إلى مواد بناء ومعدات واستيرادها من خارج غزة لحل المشكلة، «لكن إسرائيل ترفض ذلك».
وكانت «سلطة المياه» و«مصلحة مياه بلديات الساحل»، قد أعلنت أن قطاع غزة منطقة منكوبة مائياً وبيئياً بسبب «العجز شبه التام» عن تقديم خدمات المياه والصرف الصحي لسكان القطاع الذين يزيد عددهم على 1.9 مليون نسمة.
ومشكلة عزبة بيت حانون ليست مقتصرة على تلك المنطقة فقط، بل إن غالبية سكان غزة يعانون انقطاع «مياه البلدية»، وإذا وصلت إلى منازلهم فإنها تكون شديدة الملوحة ولا تصلح للشرب أو حتى للاستعمال الآدمي.