ظاهرة تزداد انتشاراً للاستغناء عن متاعب الحرّاس


بغداد ــ زيد الزبيدي
أعاد قرار وزارة الداخلية العراقية القاضي بتوزيع كلاب بوليسية مدرَّبة على جميع نقاط التفتيش الرئيسية في العراق، موضوع اقتناء العراقيين للكلاب إلى صدارة العناوين. فالكلاب جُرِّبَت في ثلاث نقاط للتفتيش في مناطق التاجي ووسط بغداد ومنطقة الشعب بمعدل خمسة كلاب لكل نقطة، ونجحت في اكتشاف العبوات والمتفجرات، فاتُّخذ قرار بتعميم توزيعها، بناءً على نصائح أميركية بأن استخدام الكلاب البوليسية سيساعد على استقرار الأوضاع الأمنية في البلاد.
وكانت مديرية الكلاب البوليسية قد أعلنت، في نيسان الماضي، أنها حصلت منذ عام 2007 حتى عام 2009، على 112 كلباً بوليسياً بموجب عقد وقعته مع دولة جنوب أفريقيا، بسعر يتراوح بين 7000 إلى 8000 دولار للكلب الواحد من النوعية الجيدة والمدرَّبة، فيما لا يتجاوز سعر الكلاب قليلة الكفاءة خمسة آلاف دولار. لكن الأرقام التي أعلنتها «مديرية الكلاب» تبدو متواضعة جداً، قياساً بما هو موجود فعلاً في العراق، حيث يشهد يوم الجمعة من كل


يبلغ سعر الكلب المدرَّب بين 7000 و8000 دولار ومصدره سوريا ولبنان والأردن


أسبوع عرض عشرات الكلاب المدربة، ومن مناشئ متنوعة، للبيع في «سوق الغزل» وسط بغداد، وبأسعار مختلفة، حتى أصبح إهداء الكلاب وتبادلها وشراؤها، نوعاً من «الوجاهة» الاجتماعية لدى فئات معينة، مثل نوعية السيارة، أو البيت ذي الطراز الحديث.
إلّا أنّ اقتناء الكلاب ليس حديث عهد في المجتمع العراقي، وخصوصاً في المناطق الريفية، التي تُعَدّ الكلاب فيها «جزءاً من العائلة»، وكانت تُستخدَم في أحيان كثيرة لاقتفاء الأثر، وملاحقة اللصوص. إلا أنّ الهم الأمني منذ 2003 طغى على معايير اقتنائها.
وأدى انتشار ظاهرة وضع العبوات اللاصقة الموجهة إلى المسؤولين والشخصيات السياسية والعشائرية والدينية المعروفة، إلى ابتكار العديد من الطرق لمواجهتها. إلا أن أغلبهم استقر رأيه أخيراً على الاستعانة بالكلاب المتخصصة، فهي أفضل و«أقل كلفة وإزعاجاً» من الحراس الأمنيين، «الذين لا تنتهي طلباتهم، ولا يكفون عن ارتكاب الأخطاء، أو النوم أثناء أدائهم واجبهم».
ويشرح الناشط السياسي خميس الدليمي لشبكة «السومرية» الإخبارية كيف استقر رأيه على «توظيف الكلاب» بدلاً من الحراس، بالقول: «تعاقدت في خريف عام 2009 مع 3 حراس أمنيين بمرتب يبلغ 700 دولار في الشهر، لكل منهم، لكنني عانيت من متاعب الحراس، مثل كثرة طلب الإجازات، والخروج من غير إذن، وترك المنزل لساعات من دون مراقبة، والنوم أثناء الليل، وطلباتهم بتحسين الطعام ورفع الراتب».
ويتابع الدليمي أنه واكب الموضة واستغنى عن الحراس وركّب كاميرات مراقبة واشترى كلاب حراسة ذكية. ويتابع: «جلبت ثلاثة كلاب مدربة من لبنان من نوع دوبرمان بسعر 3600 دولار للواحد». سعر رمزي بالنسبة إلى فوائدها لأنها «أكثر وفاءً من الحراس، ولا يمكن أن تساوم على حياتي، ولا تتقبل طعاماً من غيري، على عكس حراس الأمن».
وخلقت موضة الكلاب سوق عمل جديد في بلاد الرافدين. ويقول صاحب معرض لبيع الكلاب وسط الفلوجة، يدعى علي ماجد (39 سنة)، إنّ «ظاهرة اقتناء الكلاب انتشرت خلال الأشهر القليلة الماضية، بسبب توتر الوضع الأمني، واتساع ظاهرة العبوات اللاصقة». وبما أنّ الاغتيالات لم تعد تستهدف المسؤولين وضباط ومنتسبي الشرطة والجيش والسياسيين فحسب، بل تعدتهم إلى رجال الدين والمحامين والصحافيين وشيوخ القبائل وأفراد «الصحوات» والتجار ورجال الأعمال، وحتى أساتذة في الجامعات، فإنّ «جميع هؤلاء اقتنوا الكلاب المدربة والشرسة لتجاوز مشاكل الحراس».
ويكشف ماجد أنه يشتري الكلاب من سوريا ولبنان والأردن وفقاً لأوراق رسمية وشهادات صحية لكل كلب منها، «وفي العادة أربح مبلغ 200 إلى 400 دولار في كل صفقة بيع أقوم بها، وخصوصاً أنّ المشتري لا يفاوض كثيراً على السعر، بل يرغب بسماع صفات الكلب ومميزاته قبل التوافق على السعر».
كذلك حال ماهر سعد، الذي قرر ترك عمله الأول في بيع الطيور وأسماك الزينة ليتحول إلى بيع كلاب الحراسة، «بعد رواج المهنة، والربح الجيد فيها»، موضحاً أنه «يبيع ما بين كلب واحد إلى أربعة كلاب أسبوعياً».

فتاوى شرعية


المشتري لا يفاوض كثيراً على السعر: ما يهم هو صفات الكلب ومميزاته
كما هو الحال أينما كان، فإنّ الحالات الطارئة تُرغم حتى الدين أحياناً على التأقلم معها. ونظراً لأنّ الاسلام يحرّم اقتناء الكلاب «النجسة»، فقد اضطر رجال الدين إلى إصدار فتاوى تبيح اقتنائها لتوفير الحماية. ويقول الشيخ فتاح ظاهر إنّ «اقتناء الكلب لأجل الزينة محرم شرعاً، ولا يجوز ذلك بأي شكل من الأشكال». ويستدرك بأن «اقتناء الكلب لغرض الحراسة، ومنع وقوع اعتداء، جائز شرعاً، ويجب على الشخص أن يتيقن من خطورة وضعه وعدم إيذاء الآخرين أو إزعاجهم».

أشرس من النازيّة

بدورها، اتخذت الشرطة سلسلة إجراءات لتنظيم عملية دخول تلك الكلاب واقتنائها، التي يصفها أحد ضباط الشرطة بأنها «أشرس من جنود النازية». ويقول: «وضعنا قانوناً يحدد عملية اقتناء الكلاب وينظمها، منها أنه يجب أن يُعلم المواطن مركز الشرطة بالكلب الموجود لديه، ونوعه، وسبب اقتنائه، ويمنح إجازة رسمية بذلك، ويُمنح الكلب كذلك نوعاً من الهوية». ويعرب الضابط عن تخوفه من «تعرُّض رجال الأمن والشرطة لهجوم من أحد تلك الكلاب، خلال عمليات التفتيش التي تجري بين الحين والآخر لبعض المنازل».


«مديريّة الكلاب البوليسيّة»