الرباط | انتهت الانتخابات الجماعية والجهوية في المغرب، يوم الجمعة الماضي، بنسبة مشاركة بلغت 53.67 في المئة، وبتصدر حزبين من المعارضة لمجمل المقاعد، هما «الأصالة والمعاصرة» و«الاستقلال».

جاء الحزبان المعارضان في المرتبة الأولى والثانية على التوالي، فيما احتل حزبان من «الموالاة» الصفين الثالث والرابع، وهما «العدالة والتنمية» الإسلامي و"التجمع الوطني للأحرار".

من الفائز؟

الترتيب الذي أعلنته وزارة الداخلية المغربية بعد ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع لا يعبّر عن حقيقة الوضع تماماً، بحسب العديد من الخبراء، الذين يؤكدون أن الأرقام لا تتحدث عن كل شيء.
وفي التفاصيل، أن الحزب الذي حل ثالثاً، أي «العدالة والتنمية»، قائد الائتلاف الحكومي، حصد أكثر من مليون ونصف مليون صوت، ومع ذلك لم يحصل إلا على 5021 مقعداً، فيما حصل «الأصالة والمعاصرة»، الذي يقود المعارضة، على 6665 مقعداً، رغم أن مجموع الأصوات التي حصل عليها أقل بـ 200 ألف صوت عن «العدالة والتنمية»، أي نحو مليون و200 ألف صوت.
عبد الإله بنكيران، الأمين العام لـ«العدالة والتنمية» ورئيس الحكومة، انتقد علانية القوانين الانتخابية التي أعدتها حكومته، لأنه يجعل حزبه في الصف الثالث، رغم أنه حصل على أكبر عدد من أصوات الناخبين، ووصف الأمر بأنه «غير معقول».
ومع ذلك، يرى الخبراء أن «العدالة والتنمية» حقق انتصارات نوعية، تتجاوز لغة الأرقام إلى المكاسب السياسية. ففضلاً عن أن شعبيته لم تتأثر بعد أربع سنوات من تدبير الشأن العام على المستوى الحكومي، ورغم اتخاذه العديد من القرارات التي وصفت بـ«اللاشعبية»، حقق الحزب انتصاراً واضحاً باكتساحه المدن الكبرى، في مقابل سيطرة معارضيه على القرى والبوادي.
في مدينة فاس مثلاً، حقق حزب بنكيران فوزاً ساحقاً على خصمه السياسي حميد شباط، الأمين العام لحزب «الاستقلال»، الذي كان مشاركاً في الحكومة قبل أن يسحب وزراءه منها، بعدما اختار المعارضة ومهاجمة «الحلفاء القدامى».
وبالنسبة إلى «العدالة والتنمية»، كان الفوز في فاس طموحاً وحلماً، لأن المدينة تعتبر من القلاع الانتخابية التاريخية لحزب «الاستقلال» ولأمينه العام، وبالتالي فإنّ أي اختراق نوعي هو انتصار في حد ذاته. لكن النتائج التي أعلنت بعد إغلاق صناديق الاقتراع حملت أخباراً أكثر من سارة بالنسبة إلى الحزب الإسلامي. هو لم يتقدم فقط على خصومه، بل حصد الأغلبية المطلقة في أغلب المقاطعات، الأمر الذي اعتبر «تصويتاً عقابياً» قاسياً لـ«الاستقلال»، ورفضاً صريحاً لسياسات شباط في المدينة التي قادها على امتداد ولايات طويلة.
أما الانتصار النوعي الثاني الذي حققه «العدالة والتنمية»، فيتمثل باكتساح أغلب مقاطعات العاصمة الاقتصادية للمغرب وكبرى مدنها، الدار البيضاء، إذ أمّن أغلبية مريحة داخل مجلسها، ما سيخوّله أن يختار عمدة المدينة من بين قيادته، وهو ما تم فعلاً، إذ أعلن بنكيران، يوم السبت الماضي، أن عبد العزيز العماري، وزير العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، هو مرشحه ليكون على أكبر مدن المملكة.
كما يتجه الحزب للظفر بعمودية (مركز العمدة) العاصمة الإدارية للمملكة، الرباط، بعد اتفاقه مع حلفائه، وبعمودية عاصمة الشمال المغربي مدينة طنجة، فضلاً عن عمودية مدينة تطوان، ومدينة القنيطرة، التي سيبقى على رأسها وزير التجهيز والنقل واللوجيستيك، عزيز الرباح، ومدينة أكادير، فيما ينافس بشراسة على عمودية مراكش، وهذه هي كبريات المدن المغربية حيث تتركز الثروة والديناميكيات الاقتصادية.
في المقابل، تتقدم المعارضة على «الموالاة»، وعلى «العدالة والتنمية»، في تأمين الأغلبيات على مستوى الجهات (الجهة تضم عدداً من المدن بحسب التقطيع الترابي للمغرب)، رغم أن الحزب الإسلامي حاز أكبر عدد من المقاعد بها، لكن حلفاءه لم يحققوا نتائج مرضية، ما جعل المعارضة تظفر، حسابياً على الأقل، بثماني جهات في مقابل أربع للأغلبية.
وفي سياق الحديث عن الفائزين، يذكر الخبراء أن «الأصالة والمعاصرة»، والذي لطالما وصف بـ"حزب الملك"، لأن مؤسسه هو فؤاد عالي الهمة، صديق الملك محمد السادس ومستشاره حالياً، اكتسب شرعية انتخابية في استحقاقات الرابع من أيلول/ سبتمبر الحالي، بعدما اتّهم في انتخابات 2009 باستغلال موارد الدولة ودعمها وبأساليب غير مشروعة للفوز بالمرتبة الأولى.
احتلال «الأصالة والمعاصرة» للمرتبة الأولى في انتخابات 2015 التي أشرف عليها خصومه، يمنحه بنظر المتابعين شرعية انتخابية، وإن كان تصدره للنتائج «ملغوماً»، على اعتبار أنه لم يحقق انتصارات كبيرة في المدن المهمة، باستثناء مدينة وجدة، التي توصف بالعاصمة الشرقية للمغرب.

حرب ما بعد الاقتراع

مباشرة بعد إعلان النتائج، انطلق السباق على أشده بين مختلف الأحزاب لتشكيل الأغلبيات على الصعيد المحلي. الأحزاب المشكلة للائتلاف الحكومي (العدالة والتنمية، التجمع الوطني للأحرار، الحركة الشعبية، التقدم والاشتراكية) أعلنت أنها اختارت قيادة مجالس المدن والجماعات والجهات التي تملك فيها أغلبية بالتنسيق بينها عبر توزيع المهمات من دون التشاور مع المعارضة؛ أما أحزاب المعارضة (الأصالة والمعاصرة، الاستقلال والاتحاد الاشتراكي) فشددت بدورها على التنسيق بينها دون الرجوع إلى الأغلبية.


بقي الباب مفتوحاً على كل الاحتمالات، إذ يصعب في المغرب ضبط مسألة التحالفات على مستوى المقاطعات

ومع ذلك، بقي الباب مفتوحاً على كل الاحتمالات، إذ يصعب، بحسب القوانين الانتخابية في المغرب، ضبط مسألة التحالفات على مستوى المقاطعات، إذ يمكن أن تحصل هيئة سياسية على أكبر عدد من المقاعد في الجماعة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن تنتزع رئاستها، إذ لا يستبعد أن يظفر بها آخر حزب يمكن أن يتذيل الترتيب. من هنا، يشرح أستاذ العلوم السياسية، محمد الطوزي، أن نتائج الانتخابات الأخيرة التي حصل عليها حزب «العدالة والتنمية» قد تذهب «ضحية تشويش» بسبب إشكال التحالفات، موضحاً أنها قد تفرغ من محتواها بشكل تدريجي.
ولأن القوانين الانتخابية تركت العديد من الفراغات والتفاصيل، حيث «تكمن الشياطين»، فقد فسحت المجال في وجه تكوين «تحالفات وأغلبيات هجينة» قد لا تعبّر عن إرادة الناخبين. ويرى المحلل السياسي، عمر الشرقاوي، أنه كان يجب أن يُعمل بما تم إقراره دستورياً في الفصل 47، بحيث يُعطى الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية الحق في تشكيل الحكومة، مشدداً على أن الأمر نفسه لو طبق على مستوى المقاطعات ومجالس المدن والجهات لأفرز تحالفات قوية، ولسمح باحترام إرادة الناخبين.
وفي السياق نفسه، انتقد الشرقاوي محاولة فرض التحالفات الموجودة في الحكومة على المستوى المحلي، مشدداً على أن هذا الأمر قد يوقع في حالة «بلوكاج». واعتبر أنه لا يمكن فرض تحالفات الحكومة في الجماعات، لافتاً إلى أنّ «الخطاب السياسي» اتسم في المرحلة الأخيرة بالحدة والتطرف «ما جعل من الصعب قبول التحالفات بين المعارضة والأغلبية، لأن الخطاب العنيف وصل إلى حد التجريح».
وحتى الآن، لم تتضح الرؤية بشكل نهائي بخصوص حصيلة كل حزب على مستوى المدن والجهات، إذ لا تزال التحالفات تتشكل، والصراع على أشده بين الأحزاب المتحالفة وبين «خصومها»، إذ يسعى كل طرف إلى انتزاع أكبر قدر من المكاسب، وهو ما بدا جلياً، مثلاً، خلال ضغط «التجمع الوطني للأحرار» على حليفه «العدالة والتنمية» لمنحه عديداً من الرئاسات، الأمر الذي رفضه بنكيران، إلى درجت تهديده بإمكانية فتح الباب للتحالف مع المعارضة، في مؤشر على أن المفاوضات أوشكت على الوصول إلى الباب المسدود بين أطراف الأغلبية الحكومية.
أما بين معسكري الأغلبية والمعارضة، فإن السباق سيستمر حتى «الأمتار النهائية»، من دون استبعاد وقوع مفاجآت اللحظة الأخيرة.