إسرائيل تهدم قرية بكاملها والسكان يتعهّدون إعادة البناء


فراس خطيب
الحياة لا تكتسب معناها الطبيعي في النقب. على المرء القاطن في تلك الرقعة المنسية، وبين تجمعات البيوت التي صارت قرى غير معترف بها، أن يدافع عن قيم الحياة الأولى التي تُنتهَك يومياً. فما شهدته قرية العراقيب غير المعترف بها أمس، حين هدمت بيوتها بالكامل ـــــ وهي ما يقارب الثلاثين بيتاً معظمها مبنية من الصفيح تؤوي 200 شخص، لم يكن حدثًا غريباً، إنَّه جزء من الحياة المحدودة الضمان في ذلك المكان. فالهدم عند الصباح، وإعادة الأهل بناء بيوتهم عند المساء، صارا جزءاً من التقليد. لكنَّ هذا التقليد يشتد خناقه على أهله، وبحسب ما قالته مصادر مطلّعة لـ«الأخبار»، فإنَّ ما جرى في النقب من هدم وتجريف في الماضي سيشهد تصاعداً مستقبلاً لأنَّ السلطات الإسرائيلية، اتخذت قراراً غير معلن، بأن تكون الفترة المقبلة «حاسمة».
أمس بدأ الحدث عند إطلالة الفجر مع وصول قوّات كبيرة من الشرطة الإسرائيلية معزّزة بالجرافات إلى قرية العراقيب، التي تحتضن عشرات العائلات العربية البدوية. أصحاب البيوت هم أصحاب الأرض. هناك يبدأ عالمهم، وهناك ينتهي أيضاً. وقرية العراقيب، كما كل القرى غير المعترف بها في النقب، لا تشبه القرى المتعارف عليها: البناء فيها ليس ثابتاً، وأهلها لا يمتلكون الحقوق الأساسية، لا ماء ولا كهرباء ولا مواصلات. كل شيء يبدو مؤقتاً، لكنَّ الإيمان بالبقاء ثابت دائماً.
حاصرت القوات الكبيرة مداخل القرية وانتشرت بين البيوت، من دون الاكتراث لوجود الأطفال والنساء في داخلها، وبدأت عملية الإخلاء، ووقعت مواجهات بين الأهالي والشرطة تخلّلها إحراق الإطارات وإغلاق الشوارع وسقوط عدد من الإصابات إلى أن جرى هدم البيوت كاملة. فحين تكون هناك قوات معزّزة ومسلّحة في مقابل أهالٍ لا يملكون سوى الصفيح الذي يؤوي رؤوسهم، فإنَّ الإخلاء «سينجح» حتماً.
وقال أحد الشهود العيان لـ «الأخبار» «جاءت القوات عند الصباح الباكر. لم يكترث أفرادها لحرمة البيوت. دخلوها، وأخلوها رغم صراخ الأطفال والنساء الذي حدث». وأنهى حديثه بالقول «هذه ليست المرة الأولى، والقضية لن تنتهي هنا. هم يهدمون ونحن سنعيد بناء البيوت، عزيمتنا لن تنكسر».
وقرَّرت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، في اجتماعها الذي عقدته في قرية العراقيب، إعادة بناء بيوت القرية مجدداً لإيواء الأطفال والنساء والشيوخ. وتأليف لجنة خاصة لملاحقة هذا القرار من جانب لجنة المتابعة والسعي إلى توفير الدعم المادي لا المعنوي فقط لتجسيد قرار البناء وتنفيذه. وإرسال مذكرة إلى الهيئات الدولية لشرح معاناة الجماهير العربية عامّةً، وأهالي النقب خاصةً في هذا المضمار.

قرار إسرائيلي غير معلن بتصعيد عمليات الهدم والتجريف
ويسكن في النقب ما يقارب الـ170 ألف فلسطيني، منهم ما يقارب الـ80 ألفاً في أكثر من 36 قرية غير معترف بها. تسعى السلطات الإسرائيلية إلى اتّباع سياستها التاريخية وهي أكبر عدد من العرب على أقل مساحة من الأرض. أهالي القرى غير المعترف بها يسكنون قراهم منذ ما قبل قيام الدولة. لكن مع مرور السنوات، واصلت السلطات الإسرائيلية سياسة عدم الاعتراف، ورأت أنَّ أراضي النقب، التي يسكن عليها أصحابها، «أملاء غائبون»، واستغلت ثُغراً قانونية تعود إلى عشرات السنين منذ الدولة العثمانية، وقوانين سنّتها الحكومة الصهيونية لنهب الأراضي العربية، حيث لم يسجل سكان النقب أراضيهم ولا يملكون مستندات تثبت ملكيتهم لها، لكونهم يعتمدون في الملكية على طرق قديمة لا تعدّها إسرائيل واضحة.
وقال المحامي عوني بنّا من جمعية «حقوق المواطن»، في حديث لـ«الأخبار»، إن السلطات الإسرائيلية «أخلت هذه البيوت وهدمتها دون أن تكون هناك أيّ حاجة ملّحة إلى إخلائها ولا إلى هدمها. هم يريدون الاستيلاء عليها. ولا يهم ما هي الإجراءات، ولكن هذه الممارسات هي ممارسات همجية ضد شعب صاحب حق».
ورأى بنّا أنّ «سياسة التعامل من جانب الإسرائيليين تأتي بالأساس لترجيح الكفة للقوة، وأن الحل بالنسبة إليهم يأتي عن طريق القوة. وهم يرون أنهم أقوى من أهل النقب». وأوضح «أنّ الادعاء الإسرائيلي هو أن أهالي القرى غير المعترف بها يسيطرون على الأرض بغير حق، وهو ادعاء مرفوض كلياً»، مبيناً أنه «لا يمكن فصل القضية عن سياقها التاريخي»، وأن «المؤسسة جرّت أهل النقب نحو حرب قضائية وحسب الأدوات التي يملكونها لا يمكن لهم الانتصار في هذه الحرب القضائية. ونتيجة المحاكم في قضايا الأرض معروفة وهي دائماً لمصلحة إسرائيل».
من جهته، أكد الناطق باسم لجنة الدفاع عن أراضي العراقيب، عماد أبو فريح، أن «المحاكم أصبحت أداة في يد دائرة أراضي إسرائيل»، لافتاً إلى أن «كل القوانين جيّرت (أصبحت تنفذ) لمصلحة دائرة أراضي إسرائيل وصندوق إسرائيل القومي الذي يطالب بتحريج أراضينا». وأضاف «القوانين ليست في مصلحتنا، ولكن أردنا استعمالها. كان عندنا أمل في نوع من العدل من محاكم إسرائيل. الآن سنبني ولن نتوجه إلى المحاكم حتى لو هُدمت ألف مرة، سنبنيها من جديد. المحاكم لم تعطنا التراخيص. لا يمكن أن نأخذ ترخيصاً إلّا إذا اعترف بنا سياسياً».
واتهم أبو فريح إسرائيل بمحاولة طرد العرب من النقب. وقال «هذه حرب سياسية لتفريغ النقب من العرب، وتحويلها إلى أيد يهودية».
كذلك أثارت عملية الهدم تنديد حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي». وفيما وصف المتحدث باسم «حماس» سامي أبو زهري الخطوة الإسرائيلية بأنها «صورة من صور التهجير المستمر الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني»، أكدت حركة «الجهاد الإسلامي» أنّ سياسة الهدم «تمثل حالةً عدوانيةً ملازمةً للصهاينة يسعون من ورائها إلى تهجير فلسطينيي الداخل المحتل عن أراضيهم».