خاص بالموقع - وظّف وائل وادية في مصانعه للوجبات السريعة في غزة 250 عاملاً في فترة ما، لكنّه اليوم، مع منع إسرائيل وصول منتجاته إلى سوق الضفة الغربية، لم يعد يوظف سوى بضع عشرات من العمال، فيما بقي له من الشركة التي بناها على مدار 25 عاماً. ويقول متأسفاً «لقد رجعت إلى المربع الأول». كان 20 شخصاً يعملون على سفينة صيد يمتلكها جمال بصله، واليوم لا يعمل لديه سوى أربعة، بعد أن فرضت إسرائيل قيوداً على إبحارها. وبعد أن كان دخله خمسة آلاف دولار شهرياً، يحصل حالياً على مساعدات من وكالات إغاثة ويعجز عن دفع مصاريف دراسة ابنه في الجامعة. ويقول «أعاني من الإحباط النفسي».

وراود محمود الهندي، المهندس المدني، حلم مستقبل ناجح في مجال محترم. واليوم، بعد مرور أكثر من عام على تخرّجه، لم يتح له الاقتصاد المتداعي أيّ فرصة عمل، ويقول «كل الطرقات مقفلة أمامك، فقدنا كل الأمل».
وتعهّد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بتحويل غزة إلى سنغافورة على البحر المتوسط. واليوم بعد أربع سنوات من العقوبات، تحوّلت إلى شيء مختلف تماماً.
ودمّر الحصار الإسرائيلي، الذي شُدّد بعد تولّي حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، السلطة والاقتصاد ومعهما الأمل بمستقبل أفضل لسكان غزة وعددهم 1.5 مليون نسمة.
وشُدّدت القيود الإسرائيلية على المعابر إلى غزة بعد فوز حماس في الانتخابات البرلمانية عام 2006، ومرة أخرى بعد أن أسر نشطاء في غزة جندياً إسرائيلياً، ومرة ثالثة إثر سيطرة حماس على القطاع عام 2007 .
ويقدّر رجال الأعمال وخبراء الاقتصاد الفلسطينيون الخسائر بعشرات الآلاف من الوظائف المفقودة، وتدمير الصناعة في غزة. والأصعب هو قياس حجم الآمال المهدورة للشبان الفلسطينيين الذين يريدون مغادرة القطاع إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
ورجال الأعمال الذين كانوا يرون أنّ السلام مع إسرائيل سيحقق عائداً ورخاءً، يتشكّكون الآن في هذا المفهوم. ويقولون إنّ سياسة إسرائيل استهدفتهم، وليس حماس التي قويت قبضتها على الحكم فيما تتداعى غزة.
وترفض حماس تقديم أي تنازل أكثر من أي وقت مضى. وتُحجم عن الإذعان للمطالب الغربية بالاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف. ويعدّ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حماس منظمة إرهابية.
وتعدّ إسرائيل غزة «كياناً معادياً».
وحتى الدول التي تتعاطف مع المخاوف الأمنية لإسرائيل انتقدت الحصار، وأسهم هذا الضغط في صدور قرار في حزيران بتخفيف بعض جوانب هذه السياسة.
وبدأت المواد الاستهلاكية والمواد الخام التي كانت محظورة من قبل تعبر الحدود إلى غزة في الأسابيع الأخيرة. وتقول إسرائيل إنّها ستسمح بدخول كل شيء ما عدا الأسلحة والمواد التي يمكن أن تستخدم في صنعها.
ويشير منتقدون إلى مثالب عديدة في السياسة الجديدة.
فالكميات التي تعهدت إسرائيل بالسماح بدخولها تقلّ كثيراً عن احتياجات غزة العادية، وذلك من دون الأخذ في الاعتبار الاحتياجات الإضافية لاقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء بعد الهجوم العسكري الذي شنّته إسرائيل على القطاع قبل 18 شهراً من أجل هدف معلن هو وقف الهجمات الصاروخية عبر الحدود. ولم يرد ذكر للصادرات، رغم أنّها بالقدر نفسه من الأهمية.
وتقول ساري باشي مديرة جمعية جيشا الإسرائيلية لحقوق الإنسان «ما يقلقنا أنّ حق سكان غزة لا يقتصر على استهلاك (السلع)، بل هناك أيضاً الإنتاج والتصدير والسفر. تستمر سياسة الحرب الاقتصادية».
وزادت كميات السلع التي تدخل غزة. وتقول باشي إنّه في الأسبوع المنتهي يوم 24 تموز دخلت 979 شاحنة محملة بالسلع، بزيادة بنسبة 40 في المئة عن رقم الشهر السابق، ولكنّها ما زالت تمثل 40 في المئة فقط من الكميات التي كانت تدخل غزة قبل سيطرة حماس على القطاع.
وقال الاقتصادي الفلسطيني عمر شعبان «تحتاج غزة إلى خطة مارشال»، في إشارة إلى خطة المعونة الأميركية التي ساعدت الاقتصاد الأوروبي على أن يبدأ من جديد بعد الحرب العالمية الثانية. وأضاف «مصطلح (اقتصاد) لم يعد ينطبق هنا».
وقد ارتفعت نسبة البطالة، وتصل حالياً إلى نحو 40 في المئة مقارنة مع 30 في المئة عام 2007، حسب بيانات البنك الدولي. وتقول وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) التابعة للأمم المتحدة، إنّ 80 في المئة من السكان يعتمدون حالياً على المساعدات الغذائية، وهذا يمثّل ارتفاعاً من 40 في المئة قبل عدة سنوات.
ويعوق التعافي قائمة الممنوعات الإسرائيلية التي تشمل مواد البناء مثل الأسمنت وحديد التسليح، ضمن سلع أخرى ذات استخدامات مزدوجة تقول إسرائيل إنّه يمكن استخدامها لأغراض عسكرية.
وتقول إسرائيل إنّها ستسمح بدخول هذه المواد فقط لمشروعات تنفذ تحت رقابة دولية.
والأسمنت وحديد التسليح متوافران بالفعل لحماس ولأي شخص يستطيع تحمّل تكلفة خدمات المهرّبين الذين يمكنهم توفير كلّ ما تحتاج إليه عبر أنفاق من مصر.
وتجسيداً لنوعية جديدة من الصناعة تعتمد على أقصى استغلال لما هو متاح، أضحت إعادة تدوير الأنقاض أحد القطاعات القليلة النشطة في غزة. وتنقل قطع ضخمة من الأسمنت تجمع من أنقاض المباني على ظهر عربات تجرّها الحمير لمصانع تحوّلها إلى طوب.
وتأثرت جميع القطاعات بالحصار، من الغذاء إلى صناعة الأثاث، وعليها إما التكيّف وإما التوقف.
ويُسمح للصيادين بالإبحار لمسافة ثلاثة أميال بحرية فقط من الشاطئ، ما اضطرهم إلى التخلي عن مراكب الصيد الكبيرة والاستعانة بقوارب صغيرة، إذ تواجه خطر اعتراضها من جانب البحرية الإسرائيلية إذا تخطّت مسافة الأميال الثلاثة، ويحصل ذلك بمساعدة مصر.
ولم تبحر سفينة الصيد المملوكة لبصله، التي كلّفت 80 ألف دولار في عام 1992، منذ أربعة أعوام. واليوم هي مرابطة على الشاطئ في رفح، تظلله وهو يصلح شباك الصيد. ويقول بصله، فيما قاطعه صوت دويّ طلقتين تحذيريّتين من سفينة حربية في الأفق، «اليوم قوارب أصغر.. شباك صيد أصغر.. صيد سمك أقل».
كذلك اضطر وادية صاحب مصنع الوجبات السريعة إلى التكيّف. فقد حوّل ما بقي من مصنع البسكويت الذي دمّرته القنابل إلى معمل لتخليل الخضر. وقد تراجعت أعماله مثل بصله.
وبدأ وادية بتسلّم مواد تعبئة من إسرائيل في الأسابيع الأخيرة، ولكنّ قائمة أمنياته تشمل آلات جديدة والوصول إلى السوق في الضفة الغربية مرة أخرى، حيث كان يبيع معظم إنتاجه.
وقال «كما سمحوا بدخول بضائع، يجب عليهم أن يسمحوا بخروجها لوضع حدّ لهذه الأزمة».
وفيما يُحصي رجال الأعمال في غزة تكلفة الحصار، خلص كثيرون إلى أنّ إسرائيل سعت إلى تدمير حياتهم عن عمد.
ويقول عمرو حمد، المدير التنفيذي لاتحاد الصناعات الفلسطينية، إنّ السياسة أفقدت إسرائيل ما كان لها من أصدقاء فلسطينيين في غزة. وتابع «نفقد طبقة رجال الأعمال الشرعيين، وهي آخر طبقة تؤمن بالسلام. تخسر إسرائيل الأصدقاء وتخلق وحوشاً».

(رويترز)